فقد قطع المسلمون لينات عدة من اليهود ، وأبقوا أخرى (١) ، فتحرجت صدورهم من القطع : أنه كان منهيا عندهم لأنه إفساد ، ومن الترك أنه يتنافى وهدف التدمير والخراب ، فهو تناقض من التصرفات الحربية ، هكذا تقوّلوا على المسلمين لما تحرجوا من فعالهم ، ولكي يخسأ هؤلاء الكلاب النابحة ، ولكي تطمئن قلوب المسلمين ، يأتي هذا التصريح هنا : (فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) فقطعها يخزيهم بالحسرة عليها ، وتركها يخزيهم أنهم مضطرون ليتركوها (٢) ، فهذا من إخزاء الله لهم بأيدي المؤمنين.
ومن الإيحاءات الفقهية هنا جواز قطع الأشجار وإفساد الثمار ، إذا اقتضى الأمر ذلك لصالح غلب المسلمين وعزهم وإذلال الكافرين وخزيهم ، وإن كان الأصل الأول عدم السماح في شيء من ذلك ، ولكنما عز المؤمن وذلّ الكافر كذلك هما أصلان أصيلان فوق الأصول من هذا النمط.
(ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) :
تتجاوب آية الفيء هذه وآية السعي : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) في أن الأصل في أية فائدة هو السعي والعمل لانتاجها قدره دون فوضى ، فما أفاء
__________________
(١) في التفسير الكبير للرازي ٢٩ : ٢٨٣ روى أن رجلين كانا يقطعان ، أحدهما العجوة والآخر اللون ، فسألهما رسول الله (ص) فقال : هذا تركتها لرسول الله ، وقال : هذا قطعتها غيظا للكفار.
(٢) في التفسير الكبير للرازي ٢٩ : ٢٨٣ روى انه عليه السلام حين أمر ان يقطع نخلهم ويحرق قالوا : يا محمد ، قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فنزلت هذه لآية.
وهذا الشيء في الدر المنثور ٦ : ١٨٨ ـ أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية : استنزلوهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل فحاك في صدورهم ، فقال المسلمون قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا فلنسألن رسول الله (ص) هل لنا فيما قطعنا من أجر وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله : (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ...)
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
