(ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ)(٤٨) كما هم صبوا فوق رؤوس المستضعفين من عذاب الحميم ، استكبارا عليهم واستخفافا واستحمارا لهم فأصبحت رؤوسهم خاوية عن الهدى حاوية لكل ردى ، ومن ثم تأنيب وترذيل :
(ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (٤٩) كلمة تقال له حين العذاب ، عذابا فوق العذاب ، حيث كنت يوم الدنيا تراك عزيزا (١) : تتغلب على من سواك ـ كريما : كأنك المنعم على من سواك لا سواك ، وحتى إذا كانت قيامة فأنت أنت لك الحسنى دون من سواك : (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) (٤١ : ٥٠) (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) (١٨ : ٣٦) : «ذق» ولمّا يصلك العذاب الحساب ، وإنما ذوق العذاب! وهذا من جزاء العزير دونما عزة ، والكريم دونما كرامة ، وإنما ذلة ولئآمة بلا هوادة!
(إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ) وتترددون في تكلّف النكران ، حيث البينات من كلّ الصنوف واضحة الدلالة على ضرورة الحياة الحساب وضح النهار ، ولكنكم (كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ) تحميلا على فطركم وعقولكم حيث لا تتحمل مثل ذلك النكران إلّا تكلّفا ، والافتعال تكلّف للفعل!
هذا مصير الأثماء ورؤوس الشياطين ، فما مصير المتقين؟
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ) (٥١).
فكما الطغوى تجعل أهلها في اضطراب مهين ، كذلك التقوى تجعل أهلها في
__________________
(١) في جوامع الجامع روي ان أبا جهل قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٦ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3053_alfurqan-fi-tafsir-alquran-26%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
