حزناً. فقال لي يوماً : تعرف هذا الفتى؟ وأومأ إلى شاب حسن الوجه والصخة ، كثير الدم والقوة ، قائم مع الغلمان يخدمنا. فقلت : لا! فقال : هذا ولدي الذي آيستني منه عند مضيك إلى خراسان ، فتحيّرت وقلت : عرفني سبب برئه! فقال لي : إنه بعد قيامك من عنده فطن أنك آيستنى منه فقال لى : لست أشك أن هذا الرّجل وهو أوحد في الطب في عصره هذا قد آيسك مني ، والذي أسألك أن تمنع هؤلاء الغلمان ، يعني غلماني الذين كنت أخدمه إياهم ، فإنهم أترابي ، وإذا رأيتهم معافين وقد علمت أني ميت تجدد في قلبي حمى تعجل لي الموت ، فأرحني من هذا بأن لا أراهم ، وأفرد لخدمتي فلانة دايتي. ففعلت ما سأل ، وكان يحمل إلى الداية في كل يوم ما تأكله ، وإليه ما يطلب على غير حمية. فلمّا كان بعد أيام حمل إلى الداية مضيرة لتأكل ، فترکتها بحث قع علها نظر ولد ، ومضت في شغل لها ، فذکرت آنها لما عادت وجدت ابني قد أكل أكثر مما كان في الغضارة ، وبقي في الغضارة شيء يسير مغير اللون ، قالت العجوز : فقلت له : ما هذا؟ فقال : لا تقربي الغضارة ، وجذبها إليه ، وقال : رأيت أفعى عظيماً وقد خرج من موضع ودب إليها فأكل منها ، ثم قذف فصار لونها كما ترين ، فقلت أنا ميت ولا أود أن يلحقني ألم شديد ، ومتى أظفر بمثل هذا ، وأكلت من الغضارة ما استطعت لأموت عاجلاً وآسترح. فلمّا لم أستطع زيادة أكل رجعت إلى موضعي وجئت أنت. قالت ورأيت المضيرة على يده وفمه فصحت. فقال : لا تعملى شيئاً أو تدفنى الغضارة بما فيها لئلا يأكلها إنسان فيموت ، أو حيوان فيلسع إنساناً فيقتله. ففعلت ما قال. وخرجت إلي ، فلمّا عرفتني ذلك ذهب علي آمري ودخالت ال ابن فوجدته نائماً ، فقلت لا توقظوه حت ننظر ما کون من أمره ، فانتبه آخر النهار وقد عرق عرقاً شديداً وهو يطلب المستحم ، فأنهض إليه فاندفع بطنه ، وقام من ليلته ومن غد أكثر من مائة مجلس ، فازداد يأسنا منه ، وقل الطعام بعد أن استمر أياماً ، وطلب فراريج فأكل ، ولم تزل قوته تثوب إليه ، وقد كان بطنه التصق بظهره ، وقوي طمعنا فى عافيته فمنعناه من التخليط ، فتزايدت قوته إلى أن صار كما ترى. فعجبت من ذلك وذكرت أن الأوائل قالت : إن المستسقي إذا أكل من لحم حية عتيقة مزمنة لها مئون سنين براً ، ولو قلت لك إن هذا علاجه لظننت أنى أدافعك ومن. ان نعلم کم سنوحه اذا وجد ناها فسکت عنک.
قال ابن أبي أصيبعة : وللزازي أمثال هذا من الحكايات أشياء كثيرة جداً ممّا جر له وقد ذکرت من ذلک جملة وافرة ف کتاب « حکاات الاطباء في علاجات الأدواء ». وكان أكثر مقام الزازي ببلاد العجم ، وذلك لكونها موطنه وموطن أهله وأخيه ، وخدم بصناعة الطب الأكابر من ملوك العجم وصنف هنالك كتباً كثيرة في الطب وغره ، وصنف کتابه المنصور للمنصور بن اسماعل بن خاقان صاحب
