أصحابي فيقال يا محمّد إنّهم قد أحدثوا بعدك وغيّروا سنّتك فأقول سحقاً (١) سحقاً فلّما كان آخر يوم من أيّام التّشريق أنزل الله تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ فقال رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم نُعيتُ (٢) إلى نفسي ثمّ نادى الصّلوة جامعة في مسجد الخيف فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال نضر الله (٣) امرءً سمع مقالتي فوعاها وبلّغها لمن لم يسمعها فربّ حامل فقه غير فقيه وربّ حامل فقه إلى من هو افقه منه ، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله والنّصيحة (٤) لأئمّة المسلمين ولزوم جماعتهم فان دعوته (٥) محيطة من ورائهم المؤمنون اخوة تكافي دماءهم يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم أيّها النّاس إنّي تارك فيكم الثقلين.
قالوا : يا رسول الله وما الثّقلان؟
فقال كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانّه قد نبّأني اللّطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض كاصبعيّ هاتين وجمع بين سبابتيه ولا أقول كهاتين وجمع بين سبابتيه والوسطى فتفضل هذه على هذه فاجتمع قوم من أصحابه وقالوا يريد محمّد صلىّ الله عليه وآله وسلم أن يجعل الإمامة في أهل بيته فخرج منهم أربعة نفر إلى مكّة ودخلوا الكعبة وتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتاباً إنْ أمات الله محمّداً صلىّ الله عليه وآله وسلم أو قتله ان لا يردّ هذا الأمر في أهل بيته أبداً فأنزل اللهُ على نبيّه في ذلك أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ فَخَرَج رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم من مكّة يريد المدينة حتّى نزل منزلاً يقال له
__________________
(١) قوله تعالى فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ أي بعداً يقال سحق المكان فهو سحيق مثل بعد فهو بعيد لفظاً ومعنىً.
(٢) يقال نعيت الميت من باب نفع إذا اخبر بموته وهو منعيّ ونعى إليه نفسه أخبر بموته.
(٣) نضر وجهه من باب قتل أي حسن ونضّر الله وجهه يتعدى ولا يتعدى ويقال نضّر الله وجهه بالتشديد وأنضر الله وجهه بمعناه وفي الخبر نضّر الله امرأ سمع مقالتي ... أي حسنه بالسّرور والبهجة لما رزق بعلمه ومعرفته من القدر والمنزلة بين النّاس ونعمة في الأخرى حتّى يرى عليه رونق الرخاء ورفيق النعمة.
(٤) أي ترك الغش وركوب الصّفا والصدق وإخلاص لطاعة.
(٥) أي دعوة الله وهي الموت محيطة من ورائهم أي محيطة بالناس بعد انقضاء اجالهم أي من كان عاقبة أمره الموت ينبغي أن لا يترك هذه الخصال الثلاث.
![تفسير الصّافي [ ج ٢ ] تفسير الصّافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3029_tafsir-alsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
