وقهرت ـ بعد سليمان ـ الجنون ، وقضيت الديون ، ومرضت لمرض العيون. وركبت الهمالج (١٧) ، وتوسدت الوذائل (١٨) والدمالج ، وركضت الفاره ، واقتحمت المهالك والمكاره ، وجبت البلاد ، وحضرت الجلاد ، وأقمت الفصح والميلاد. فعدت من بلاد الهند والصين ، بالعقل الرصين ، وحذقت بدار قسطنطين (١٩) كتاب اللطين (٢٠) ، ودست مدارس أصحاب الرواق (٢١) ، ورأيت غار الارواح وشجر الوقواق ،
__________________
(١٧) الهمالج : الابل تمشى فى سرعة.
(١٨) الوذائل : ج وذيلة ، وهى الرشيقة من النساء.
(١٩) قسطنطين : ملك من ملوك الروم ، سميت حاضرة ملكه باسمه (القسطنطينية) وهى مدينة قديمة كانت مسورة بأسوار حصينة تبلغ المائة ، أحدها (باب الذهب) ، أنظر ياقوت الحموى فى معجم البلدان ج ١٥ ص ٣٤٧.
(٢٠) كتاب اللطين : يعنى به «اللاتينية».
(٢١) أصحاب الرواق : يقصد الرواقيين ، وهم فرقة من الفلاسفة القدماء ، ينسبون الى الرواق ، الذي كان يعلم زينون ـ Zenon الرواقيين Stoiciens تحته ، وقد نشأت هذه الفرقة فى القرن الرابع قبل الميلاد ببلاد الاغريق ، تنقسم عندهم الفلسفة الى المنطق والطبيعة وعلم الاخلاق ، ولا يفصلون العناية الالهية عن القضاء ، كما أنهم لا يميزون بين المادى والروحى ، وأن الكون يسوده النظام ، ويسوسه المنطق ، وأن على الانسان أن ينظم نفسه ، فيحتل مكانه فيه.
وبهذا تحققت عندهم فكرة الوحدة الكونية ، فى وقت لم يكن العلم الطبيعى عند الاغريق كثيرا ، ولكن كان حدسهم شديدا ، ونظراتهم الثاقبة كثيرا ما كانت تصيب.
أما عن زينون الرواقى فهو مؤلف هذا المذهب (نحو ٣٤٠ ـ ٢٦٥ ق م) فقد ولد فى بلدة كتيوم Cition بجزيرة قبرص ، وجاء بعد الى أثينا ، وهو من أصل فينيقى ، وأكثر من وسعوا المذهب كانوا أسيويين أكثر منهم أفارقة ، ويعد المذهب آخر مجهود فلسفى فى اليونان الوثنية.
هذا ، وممن آمن بوحدة الكون فى العصور الوسطى كتاب الاديان الثلاثة ، فمن المسلمين ابن رشد (١١٢٦ ـ ١١٩٨ م) ، ومن المسيحيين كثيرون ، ومن اليهود القباليون Kabbalists ، ثم جاء عصر النهضة بأوربا فأحيا مبدأ الوحدة الكونية بين أهلها ، وانبرى عدة فلاسفة ينادون بها ، متأثرين بالفلسفة الافلاطونية ، وبما رسمه المذهب من آداب ، ومنهم شكسبير ، وشلر ، وكنط.
راجع : د. أحمد زكى (مجلة العربى) عدد ١٣٤ يناير ١٩٧٠ م.
