وهو وحده الذي يثيب على هذا الإسلام. وانطلاقاً من هذا الاعتقاد ، فقد كان النبي يكتفي بالظاهر ويترك البواطن لله ، وسلوك الإنسان متروك للمستقبل ولرحمة الله وتأثير المجتمع المسلم عليه ، ولموقف الفرد من معارك الإيمان مع الكفر تحت قيادة النبي أو من ينتدبه. ومن الطبيعي أن النبي لم يقل لمنافق أنت منافق ، بل كان يدعو الله أن يستر على عيوب خلقه وان يصلحهم ويهديهم ، مع أنّ القرآن الكريم حافل بالآيات التي تقرع بشدة المنافقين المنتشرين في عاصمته المدينة ومن حولها من الأعراب ، وقد كشفت هذه الآيات أسرارهم ، وفضحت أضغانهم ، وعالجت أموراً واقعية ، ووصفت وشخصت حالات فردية لأشخاص كانوا يعتبرون صحابة ، بل وأقيمت الحدود على الكثير منهم.
والشريعة وضعت صفات موضوعية لأعمال البرّ والتقوى ولأعمال الفجور ، فمن توافرت فيه صفات معينة حشرته تلك الصفات بإحدى هاتين المجموعتين ، وترجمة الصفات وبيانها متروك لسلوك الإنسان ميدانياً. فالصدام مع الكفر لم يتوقف طيلة حياة النبي ، والإنسان بطبعه يعكس دائماً حقيقة اعتقاده بسلوكه آجلاً أم عاجلاً. وبانتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى ، كان كل مسلم من مواطني الدولة الإسلامية يعرف حقيقة موقعه في حوض التقوى أو في بؤرة الفجور ، وعرف الناس كلهم منازل بعضهم ، مع أن المجتمع المسلم ، خاصة مجتمع المدينة المنورة ، كان مجتمع صحابة ، ولكل واحد من أفراده صفة صحابي لغة واصطلاحاً. ثم من يأمن مكر الله؟ وما معنى الأمور بخواتمها؟ إنه لا بديل من تقسيم الصحابة الكرام إلى مجموعتين كبيرتين :
١ ـ أفاضل الصحابة : وهم الأخيار الذين قامت الدولة على أكتافهم وتحمّلوا سخرية وأذى الأكثرية الكافرة حتى ظهر أمر الله ، وتمسّكوا بأمر الله ووالوا نبيّه ووالوا من والاه ، وانتقلوا إلى جوار ربّهم وهم معتصمون بحبل الله ، فهؤلاء عدول بالإجماع ولا تشذ عن ذلك أية فرقة من الفرق الإسلامية.
٢ ـ بقية الصحابة : وهم متفاوتون ، الله أعلم بهم ، فمنهم الصبي ، ومنهم المنافق. فالمنافقون الأشرار جعلهم الله في الدرك الأسفل من النار مع أنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام ويسمون أيضاً صحابة بكل المعايير الموضوعية المعروفه عند أهل السنّة.
