والله لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده ، ويجازي كلا من المخلص والمرائي بما يستحق.
هذا هو المثال الأول لمن ينفق ماله ابتغاء وجه الرحمن وطلب رضوانه ، والمثال الثاني لمن ينفق على عكس الأول في سبيل الشيطان والهوى أو لغير وجه الله. وبدأه تعالى بالإنكار والنفي ؛ لأن شأن المؤمن المخلص ألا يقصد ذلك ، فهو مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي وجه الله ، فإذا كان يوم القيامة ، وجدها محبطة مبددة متلاشية ، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنات وأجمعها للثمار ، فبلغ الكبر ، وله أولاد ضعاف ، والجنة معاشهم ومنتعشهم ، فهلكت بالصاعقة.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية : قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم : فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ : (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ...) قالوا : الله أعلم ، فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم ، فقال ابن عباس رضياللهعنهما : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : يا ابن أخي ، قل ، ولا تحقر نفسك ، فقال : ضربت مثلا بعمل ، قال عمر : أي عمل؟ قال : لرجل غني يعمل بطاعة الله ، ثم بعث الله له الشيطان ، فعمل بالمعاصي ، حتى أغرق أعماله(١).
وقال الحسن البصري : هذا مثل ، قلّ والله من يعقله من الناس : شيخ كبير ، ضعف جسمه ، وكثر صبيانه ، أفقر ما كان إلى جنته ، فجاءها الإعصار فأحرقها ، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله ، إذا انقطعت عنه الدنيا (٢).
وتوضيح هذا المثل : أتحب أيها المنفق لغير الله أن تكون لك جنة فيها
__________________
(١) تفسير ابن كثير : ١ / ٣١٩
(٢) تفسير الكشاف : ١ / ٢٩٩
![التفسير المنير [ ج ٣ ] التفسير المنير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2944_altafsir-almunir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
