رأيه في النقد :
وابن فارس يلم أيضاً بالحياة الأدبية في عصره ، ولا يتزمّت كما يتزمّت كثير من اللغويين الذين ينصرفون عن إِنتاج معاصريهم ولا يقيمون له وزناً ، فهو يصغى إلى نشيدهم ويروى لكثير منهم ، وينتصر للمحسن وينتصف له من المتعصبين الجامدين ، الذين يزيِّفون شعر المحدَثين ويستسقطونه.
وإِليك فصلاً من رسالة له كتبها لأبى عمرو محمد بن سعيد الكاتب (١) ؛ لتستبينَ مذهبه ذلك ، وتلمس أسلوبه الفنى الأدبى :
«ألهمك الله الرشاد ، وأصْحَبَك السداد ، وجنَّبك الخلافَ ، وحبب إِليك الإِنصافَ. وسبب دعائى بهذا لك إنكارك على أبى الحسن محمد بن على العجلى تأليفه كتاباً في الحماسة وإعظامُك ذلك. ولعله لو فعل حتى يُصيبَ النرض الذي يريده ، ويَرِد المنهل الذي يؤمُّه ، لَاستدركَ من جيّد الشعر ونقيِّه ، ومختاره ورضيِّه ، كثيراً مما فات المؤلِّف الأول. فماذا الإنكار ، ولَمه هذا الاعتراضُ ، ومن ذا حَظَر على المتأخِّر مضادَّة المتقدِّم ، ولمه تأخذ بقول من قال : ما ترك الأول للآخر شيئاً ، وتدع قول الآخر :
* كم ترك الأوَّل للآخِر*
وهل الدُّنيا إلا أزمان ، ولكل زمان منها رجال. وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إِلا خطرات الأوهام ونتائج العقول. ومَن قصر الآداب على زمانٍ
__________________
(١) يتيمة الدهر (٢ : ٢١٤ ـ ٢١٨).
