(٢) قوله عليه السلام : أيّها الخلق المطيع
قال في المغرب : خلقه الله خلقاً أوجده ، وانخلق في مطاوعته غير مسموع. (١)
والمصدر هنا بمعنى المفعول ، أي : أيّها المخلوق المجعول في ماهيّته وإنّيّته ، والمصنوع المعلول في ذاته ووجوده.
ويحتمل أن يكون من الخلق بمعنى التقدير ، وهو أصل معناه في اللغة ، أي : أيّها المقدّر بتقدير الله تعالى في حركاته وأوضاعه وكرّاته وأفلاكه ، المطيع له سبحانه في كلّ ما أراده منك ودبّره في أمرك.
قال ابن الأثير في النهاية : في أسماء الله تعالى : «الخالق» وهو الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة. وأصل الخلق بتقدير ، فهو باعتبار تقدير ما منه وجودها ، وباعتبار الإيجاد على وفق التقدير خالق. (٢)
وهذا الخطاب منه عليه السلام لجرم الكواكب الذي يقال له : تارة القمر ، وتارة الهلال ، وتارة البدر ، بحسب اختلاف التشكّلات والأوضاع.
ثمّ إنّ مخاطبته عليه السلام إيّاه ونسبة الطاعة لله عزّ وجلّ ، والإطاعة لله سلطانه في تقديره وتدبيره إليه ، تنصيص على إثبات الحياة للسماويّات جميعاً ، كما قال شريكنا السالف في رياسة حكماء الإسلام ، الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا في الشفاء والنجاة : السماء حيوان مطيع لله عزّ وجلّ. وهو الحقّ الذي أعطته الاُصول الحكميّة ، وأفادته البراهين العقليّة ، فإنّ لكلّ من الكرّات السماويّة عقلاً مفارقاً ، ونفساً مجرّدة ، ونفساً منطبعة ، ولا تتلئّب الحركة الوضعيّة المستديرة إلّا بذلك كلّه ، على ما قد أصّلناه في كتبنا وصحفنا وفصّلناه مبسوطاً في كتاب القبسات.
قال في إلهيّات الشفاء : وبالجملة لا بدّ لكلّ متحرّك من السماويّات ، لغرض عقليّ من
__________________
١. المغرب : ١ / ١٦٧.
٢. نهاية ابن الأثير : ٢ / ٧٠.
