__________________
وهكذا ، حيث تضرى البطولات ، وتستعلى الأناة والحكمة يكون علي هو الرجل وهو البطل الذي يختاره الرسول ليقيم الميزان بالقسط ، ويمزج القصاص بالعدل ، والقوة بالرحمة ، ويضع الشجاعة تحت إمرة السداد والأناة والحكمة.
وإذا كان الفضل ما يشهد به الأعداء ، فلنستمع في هذا المقام لشهادة أبي سفيان أيام شركه ووثنيته.
فعند ما نقضت قريش عهدها مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، واستخار النبي ربه في الخروج إلى مكة لفتحها ، نمي الخبر إلى قريش فسقط في يدها ، وأرسلت أبا سفيان إلى المدينة ، ليعتذر إلى الرسول ، وليسأله الموافقة على المعاهدة التي كانت بينهما ، والتي أبرمت يوم الحديبية.
ونزل أبو سفيان المدينة وقابل زعماء المسلمين راجيا أن يزكوا مهمته عند الرسول فكلهم رفض. بل إن ابنته أم حبيبة وكانت إحدى زوجات النبي أبت أن تجلسه على فراش رسول الله ، وكان مبسوطا في فناء حجرتها ساعة دخوله عليها فطوته عنه ، ولما عاتبها في صنيعها هذا أجابته قائلة : إنك مشرك وفراش رسول الله لا يطؤه مشركون.
ولما عاد إلى مكة خائب المسعى ، جلس يحدث قريشا عن محاولته ، فقال فيما قال : وجئت ابن أبي قحافة يعني أبا بكر فلم أجد منه عونا وجئت ابن الخطاب ، فوجدته أعدى العدو لقد قال لي : أأنا أشفع لكم عند رسول الله؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ، وجئت عليا فوجدته ألين القوم.
أجل في هذه المناسبة بالذات ، حيث لا يتوقع من علي كرم الله وجهه سوى بأس المقاتل ، وتشفى صاحب الثار ، نجد لين الجانب ورحمة الغالب يسمان موقفه وتصرفه.
وبشهادة من؟ بشهادة خصمه أبي سفيان زعيم قريش يومئذ وقائد جيوشها ، وحامل لواء وثنيتها.
ذلكم هو نوع البطولة التي أفاءتها مقادير علي عليه.
بطولة ، يقودها العقل لا العاطفة.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
