__________________
في ذلك اليوم المشهود يوم فتح مكة كان الزعيم الأنصاري سعد بن عبادة يحمل الراية على كتيبة كبيرة من المسلمين.
ولم تكد تتراءى له مشاهد مكة ، حتى استجاشته ذكريات عداء قريش للرسول ولصحبه ، فصاح قائلا وسط نشوة الظفر التي تستخف الأحلام : اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة. قالوا : وسمعه بعض الصحابة فروعهم هذا النداء.
وسارع عمر بن الخطاب إلى النبي عليهالسلام ونقل إليه كلمات سعد ، وقال معقبا عليها : يا رسول الله ، ما نأمن أن يكون لسعد في قريش صولة. وعلى الفور ، نادى الرسول عليا وقال له : أدرك سعدا ، وخذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها.
علي الذي شهد كل الأذى الذي صبته قريش على ابن عمه ورسوله ، علي الذي يحمل طاقة زاخرة فوارة تحرك الجبال ، علي ، وهذا يومه ، حيث يتوقع منه بأس المقاتل ، وزهو المنتصر يختاره أعرف الناس به لمهمة قهر الزهو ، ونسيان الثار مهمة دخول مكة المفتوحة ، في تواضع وإخبات ، وسلام.
ومشهد آخر ، يعرفنا بجمال هذه البطولة ، وإنسانيتها ، وما كانت تتمتع به من أناة ، ومعدلة.
فبعد فتح مكة ، أرسل الرسول إلى من حولها من القبائل سرايا تدعوها إلى الله في غير قتل لها ، أو حرب معها.
وكان خالد بن الوليد على رأس إحدى هذه السرايا. أمره الرسول أن يسير بأسفل تهامة داعيا ، لا مقاتلا. وعند قبيلة بني خذيمة بن عامر ، تصرف أحد رجالها تصرفا تسرع تجاهه خالد فأعمل فيهم السيف.
ونمى الخبر إلى رسول الله ، فغضب وحزن ، وبريء إلى الله مما صنع خالد بن الوليد ، ثم رأى عليهالسلام أن يبادر بإرسال رسول سلام ، وكان ابن أبي طالب هو الرسول المختار. دعاه رسول الله إليه ، وقال له : يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم ، فانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. وأعطاه الرسول من المال ما يكفى لديه القتلى ، وتعويض أهلهم عن كل خسارة حاقت بهم ، وقام علي بالمهمة خير قيام.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
