__________________
ضاربة حامية ويتمكن منه سيف علي بضربة تطرحه أرضا ، وهو يتلوى من الألم. وبينما علي يتهيأ ليجهز عليه بضربة قاضية ينحسر جلباب الرجل فتنكشف عورته ، فيغمض علي عينيه ، ويغض بصره ويثنى إليه سيفه ويعود إلى مكانه في الصف. ويسأله المسلمون : لما ذا لم تجهز عليه؟ ويجيبهم : لقد استقبلني بعورته ، فعطفتني عنه الرحم.
إن شرف المقاتل خلق لا ينساه علي أمام النصر ، وأمجاد الظفر. ولقد عرف عنه ذلك دائما ، فراح أعداؤه يلمسون منه هذا الوتر كلما رأوا المنايا تهوى عليهم من سيفه الوثيق.
إن الأبطال الأصلاء العظماء ، لا ينشدون النصر مجرد النصر. إنما هم ينشدون النصر عفا ، شريفا ، عادلا فإذا لم يأتهم النصر موشى بهذه الفضائل ، فلا خفقت راياته ، ولا دقت طبوله.
وسنرى ونحن نتتبع مشاهد البطولة في حياة الإمام ، كيف كان حرصه الشديد على شرف المقاتل آثر وأبقى من كل غلبة ومن كل انتظار.
ومن المفارقات العجيبة لشخصيته ، أن براعة المقاتل فيه ، كانت تزلزل خصومه خوفا وهلعا في حين شرف المقاتل فيه ، كان يملأ نفوسهم طمأنينة وأمنا.
أجل لطالما تحولت نقمته على أعدائه إلى رحمة بهم بسبب إيمانه الحق بأن القتال الشريف ، النبيل ، العادل ، هو وحده سبيل الرجال ، إذا اضطروا لقتال.
بعد أن تحقق له النصر في موقعة الجمل ، وقبل أن تبدأ موقعة صفين وكان لا يزال يرجوا أن يفيء معاوية إلى الحق ، على الرغم من كل الشواهد التي كانت تنبئ بإصراره على موقفه وإعداده العريض للحرب والقتال يومئذ علم الإمام أن اثنين من كبار أنصاره يجهران بشتم معاوية ، ولعن أهل الشام هما ، حجر بن عدي وعمر بن الحمق ، فأرسل إليهما آمرا أن يكفا عن هذا الشتم وهذا اللعن ، فقدما عليه وسألاه : يا أمير المؤمنين! ألسنا على الحق ، وهم على الباطل؟ أجابهم الإمام : بلى ، ورب الكعبة. قالوا : فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم؟ قال الإمام : كرهت لكم أن تكونوا
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
