__________________
يأكله. وفي المسيح عيسى بن مريم الذي كان يلبس الخشن ويأكل الجشب دابته رجلاه ، وخادمه يداه.
تلك هي المنازل العلى التي يحلق عندها البطل الزاهد الأواب وهو لهذا لا يعدل شيئا بجشب الطعام وخشن الثياب.
لقد كانت هوايته الكبرى ، إهانة الدنيا ، وإذلال مغرياتها الهائلة بأن يرفع في وجهها يدا لا تهتز ولا تختلج ، تقول لتلك المغريات : لا. فلما ولى أمر المسلمين ، وصار لهم خليفة وأميرا ، تحولت الهواية إلى واجب.
أجل آنئذ لم يعد نبذ الدنيا وإذلال سلطانها وإغرائها مجرد هواية لبطولته ، أو رياضة لروحه. بل صارت واجبا تفرضه مسئوليات الحكم ، وتبعات القدوة ، وآنئذ سمعناه يقول : أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ، ثم لا أشارك المؤمنين في مكاره الزمان .. والله لو شئت لكان لي من صفو هذا العسل ، ولباب هذا البر ، ومناعم هذه الثياب ولكن ، هيهات أن يغلبني الهوى ، فأبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى.
هو إذن مقيم لم يرحل يعلم الناس في كل جيل وعصر ، أن الولاء للحق أثمن تكاليف الإنسان .. ويعلم الحكام في كل جيل وعصر ، أن الولاء للحق يعني رفض إغراء الدنيا ، ورفض غرور السلطان.
وهو مقيم لم يرحل .. يجد عصرنا هذا في نهجه وحكمه أستاذا ومعلما وهاديا.
فاليوم ، حيث تعبي الحضارة كل قواها لمحاربة الفقر ، وإرباء الكفاية ، وتوزيع العدل ، نجد أمير المؤمنين عليا يدرك من قرابة ألف وأربعمائة عام بؤس الفقر ووظيفة المال إدراك الحاكم المسئول ، لا إدراك الواعظ المتمنى.
انظروا ها هوا ذا ناسك لم يمنعه نسكه ، وزهده عن أن يعرف ضراوة الفقر وبؤسه وعداءه لتقدم الروح والضمير فيقول قولته الباهرة : لو كان الفقر رجلا لقتلته.
وها هو ذا يبدأ الساعات الأولى من حكمه وخلافته بوقف تضخم الثروات التي سببها التمييز في الأنصبة والعطاء بين الذين أسلموا قبل الفتح ، والذين أسلموا بعده
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
