__________________
وطهرا.
وكذلك نراه وهو يخطب أصحابه في أول جمعة ، بالكوفة ، وهو أمير المؤمنين ، لا يخطب خطبة خليفة ولا أمير ولا حاكم .. لا يصدر قرارات ، ولا يرسم سياسة على كثرة ما كانت الظروف تتطلب من قرارات ، وسياسة بل لا يجعل خطابه الأول هذا استجابة لحماس أصحابه وشد زناد الحمية في أنفسهم استعدادا للمعركة التي سيخوضونها مع جيش الشام المقاتل ، المدرّب ، الصعب المراس. لا شيء من ذلك كله يضمنه الخليفة والإمام خطابه. إنما هي الدعوة الخالصة لتقوى الله وحسن عبادته وطاعته اسمعوا : أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباده ، وأقرب الأعمال لرضوانه ، وأفضلها في عواقب الأمور عنده. وبتقوى الله أمرتم ، وللإحسان خلقتم ... فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه ، فإنه حذر بأسا شديدا. واخشوا الله خشية ليست بتعذير واعملوا من غير رياء ولا سمعة ، فإن من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل ومن عمل مخلصا له تولاه الله وأعطاه فضل نيته ، وأشفقوا من عذاب الله فإنه لم يخلقكم عبثا ولم يترك شيئا من أمركم سدى قد سمى آثاركم ، وعلم أسراركم وأحصى أعمالكم ، وكتب آجالكم فلا تغرنكم الدنيا ، فإنها غرارة لأهلها ، والمغرور من اغتر بها وإن الآخرة لهي دار القرار.
أهذا خطاب رئيس دولة؟ كلا إنما هو خطاب ناسك. خطاب مسلم ومؤمن وجّه وجهه وقلبه وحياته للذي فطر السموات والأرض ، لا يعنيه إلا أن يحيا في مرضاته تقيا ، وأن يحيا الذين من حوله أتقياء ، أنقياء.
كذلك نراه ونرى إسلامه الوثيق حين لم يعد ، بدّ من لقاء معاوية في معركة صفين يستقبل جيشه ليلة المعركة خطيبا ، فلا يعدهم ولا يمنيهم. ولا يرفع أمامهم مباهج الدنيا ونعيمها ، ثمنا للنصر إذا هم ظفروا به .. إنما يحدثهم حديثا آخر يختلف عن كل الأحاديث التي تتطلبها أمثال هذه المناسبة. أنظروا .. ألا إنكم ملاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة قيامكم وصلاتكم وأكثروا تلاوة القرآن ، وسلوا الله الصبر والعفو والعافية.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
