__________________
في أوقات السلم ، وفي أوقات الحرب .. فوق ثبج النصر ، وتحت وقع الهزيمة في سرائه ، وفي ضرائه لا يستولي على تفكيره ، وعلى ضميره ، وعلى شعوره سوى تقوى الله سبحانه. وحتى وهو يكتب إلى عمرو بن العاص الذي انحاز إلى صف معاوية ، وبات يشكل خطرا حقيقيا على جبهة الإمام ، لا نلتقي بالإمام يمني عمرا بدنيا ، ولا يستميله إلى هوى نفس السلاح الذي كان معاوية يكسب به الأنصار بل نبصره يصدع عمرا بالحق في غير مساومة ، ولا مجامل. إنه يناشده تقوى الله لا غير ، هذه التقوى التي تجري من ابن أبي طالب مجرى الدم ، فيقول له في كتابه إليه : من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص .. أما بعد ، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها وصاحبها مقبور فيها ومهموم عليها لم يصب منها شيئا قط ، إلا فتحت له حرصا ، وإلا أدخلت عليه مئونة تزيده رغبة فيها ولن يستغني صاحبها بما ناله عما لم يبلغه ، ومن وراء ذلك فراق ما جمع والسعيد من وعظ بغيره ، فلا تحبط أجرك أبا عبد الله ، ولا تجارين معاوية في باطله ، فإن معاوية غمط الناس ، وسفه الحق.
إنه يرفض أن تحدد علاقات الناس به ، أو علاقاته بهم منفعة أو غرض.
حتى في أحرج ساعات حياته ، يمعن في الرفض وفي الاستغناء. إنه يؤمن بأن الحق مقدس وأنه أجل من كل ثمن. ولا شيء على وجه الأرض يمثل الحق في يقينه مثلما يمثله الإسلام. من أجل ذلك نذر حياته لقضية الإسلام منذ عمره الباكر. وعاش عمره المسلم يتنفس النقاء ، والصدق ، والاستقامة.
ليس في حياته كلها وقفة واحدة مع المساومة ، أو المداجاة ، أو الالتواء .. ولعله لو شاء لكان داهية لا يشق له غبار فحدة ذكائه ، واتقاد بصيرته يعطيانه من الدهاء ما يريد. لكنه تخلى عن كل مواهب الرجل الداهية وأحل مكانها كل مواهب الرجل الورع.
إن فهمه لحقيقة الإسلام. وإن ولاءه الوثيق له قد حملا حياته من الأعباء فوق ما تطيق. ولقد كان بعض جهاده وبلائه كفيلا بأن يبوءه مكانه العالي بين الأخيار الصادقين. ولكن الرجل الذي وصفه الرسول بأنّه مخشوشن في سبيل الله قد أخذ نفسه بعزائم الأمور ، وناط قدرته وطاقته بالمستحيل ، ونذر للإسلام حياة استقلها ، فراح
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
