__________________
مقت الترف من كل نفسه ، ونأى عنه بكل قوته وعزمه. ذلك أنه فهم الإسلام وعاشه ، وتعلم منه أن الترف مشغلة الفارغين العاطلين. والإنسان الذي يعيش مع مسئوليات كبار كتلك التي يفرضها الإسلام الحق على أبنائه الحقيقيين وأهله إنما يكون حظه من الصدق والتوفيق مضاهيا حظه من البساطة والتخشن. وهكذا كان الإمام ، وهكذا أراد للناس أن يكونوا.
عند ما قدم مكة من اليمن ورسول الله يومئذ يحج بها حجة الوداع ، تعجل هو إلى لقاء النبي تاركا جنوده الذين عادوا معه على مشارف مكة بعد أن أمّر عليهم أحدهم.
وبدا لهذا الأمير المستخلف أن يلبس الجند حللا زاهية من تلك التي عادوا بها من اليمن ، حتى يدخلوا مكة وهم في زينتهم يسر منظرهم الأعين. وأمرهم ، فأخرجوا من أوعيتهم حللا جديدة ارتدوها ، واستأنفوا سيرهم إلى مكة. وعاد علي بعد لقاء الرسول ، ليصحب جنده القادمين وعلى أبواب مكة رآهم مقبلين في حللهم الزاهية. وأسرع نحوهم ، وسأل أميرهم : ويلك ما هذا؟ قال : لقد كسوت الجند ليتجملوا إذا قدموا على إخوانهم في مكة. وصاح به علي : ويلك انزع قبل أن تنتهي بهم إلى رسول الله. فخلعوا حللهم جميعا ، وكظموا في أنفسهم مرارة بما صنع بهم علي الورع ، الزاهد ، الأواب .. ولما دخلوا مكة ، ولقوا الرسول ، شكا إليهم بعضهم عليا ، وقصوا عليه نبأه معهم. فاستقبل الرسول القوم وقال : أيها الناس لا تشكوا عليا فو الله ، إنّه لأخشن في سبيل الله من أن يشكى.
وهو بإسلامه وفي إسلامه لا يتغير طفلا وشابا وشيخا جنديا وقائدا وخليفة للمسلمين .. إن تقوى الله تأخذ عليه لبة وهو لا يعامل الناس بذكائه ، ولا بحسبه ونسبه. بل بإخلاصه وتقواه .. ثم هو لا يريد منهم ، بل ولا يقبل منهم أن يعاملوه بغير الصدق والتقوى. من أجل هذا سنراه حين يقع الصدام بينه وبين معاوية يؤثر الهزيمة مع الإخلاص والتقوى ، على انتصار يتحقق بالمكر والمراوغة. ويقول له ابن عمه عبد الله بن عباس وهو الصالح الورع : خادعهم ، فإن الحرب خدعة ، فيجيبه الإمام الطاهر : لا والله لا أبيع ديني بدنياهم أبدا. مسلم عظيم يفجر الدنيا من حواليه ذمة ، واستقامة ،
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
