__________________
الرغبة ، كما تعملون له في الرهبة .. ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها ولم أر كالنار نام هاربها. ألا وإن من لم ينفعه الحق ، ضره الباطل ... ومن لم يستقم به الهدى ، حاد به الضلال. ألا وإن الدنيا عرض حاضر ، يأكل منها البر والفاجر .. وإن الآخرة وعد صادق ، يحكم فيها ملك قادر .. وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل .. فإن اتباع الهوى ، يصد عن الحق .. وإن طول الأمل ، ينسي الآخرة.
فلتأت الأحداث والأهوال عاصفة ، تقتلع الجبال من حول الإمام ، فإنه لن يتبع الهوى أبدا. فإن اتباع الهوى يصد عن الحق. ولتبذل الدنيا له كل نفسها وزينتها ، وبهجتها ، وإغرائها ، فإنه لن يربطها به أمل ولا رجاء. فإن طول الأمل ، ينسى الآخرة.
وهو رضياللهعنه لا يريد أن يتوه عن الحق ، ولا يريد أن ينسى الآخرة. فالحق حياته والآخرة داره.
على أن زهد ابن أبي طالب في الدنيا ، وعزوفه عنها ليس زهد الهاربين من تبعات الوجود ومسئوليات الحياة. إنما هو زهد يشكله إسلامه ، الذي يجعل المسئولية العادلة دينا ، ويجعل العمل الصالح الدائب عبادة وقربى. وهنا نلتقي ب علي يصحح المعايير والموازين ، إذ لا يكاد يسمع رجلا يذم الدنيا مذمة العاجز المتواكل حتى يقول : الدنيا دار صدق ، لمن صدقها ودار نجاة ، لمن فهم عنها ، ودار غنى وزاد لمن تزود منها. مهبط وحي الله ... ومسجد أنبيائه .. ومتجر أوليائه .. ربحوا فيها الرحمة ، واكتسبوا فيها الجنة. أجل هذه هي دنيا المسلم ، كما يفهمها ربيب الوحي ، وسابق المسلمين .. دار عمل لا لهو يكدح فيها الإنسان لينشئ لنفسه مصيرا سعيدا يوم يقوم الناس لرب العالمين. وهي دار صدق ، لمن عاش فيها صادقا مع مسئولياته وتبعاته ودار نجاة ، لمن سار فيها على درب النجاة.
وبهذا الفهم السديد للدنيا ، ربحها علي وربح بها مصيره وأخراه. فهي بالنسبة له ، لم تكن دار لعب ولهو أبدا. منذ طفولته الباكرة ، حمل الإسلام في قلبه. وحمل معه كل أعباء الرجال. ولقد قطع حياته وقضى أيامه على الأرض في كفاح موصول ، ونضال لم يعرف الراحة يوما. وعاش كما وصفه الرسول عليهالسلام : مخشوشن في سبيل الله.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
