__________________
حاز كلتا الحسنيين : السبق والصدق.
وحين نتتبع مظاهر إسلامه نرى عجبا وحين نستقبل شمائل إيمانه ، نستقبل روضات يانعات نتأنق فيهن ، ويثملنا عبيرها ، وطهرها وتقاها.
والآن ، ما بالكم برجل اختاره الرسول من بين أصحابه جميعا : ليكون في يوم المؤاخاة أخاه؟ وكيف كانت أبعاد إيمانه وأعماقه ، حتى آثره الرسول بهذه المكرمة والمزية؟
عند ما تمت هجرة النبي والمسلمين إلى المدينة ، آخى الرسول بين المهاجرين والأنصار وجعل لكل أنصاري أخا من المهاجرين حتى إذا فرغ عليهالسلام من دمجهم في هذا الإخاء العظيم رنا بصره تلقاء شاب عالى الجبهة ، ريان النفس ، مشرق الضمير وأشار الرسول إليه ، فأقبل عليه. وبين الأبصار المشدودة إلى هذا المشهد الجليل ،
أجلس النبي عليا إلى جواره ، وربت على كتفه ، وضمّه إليه وهو يقول : وهذا أخي. لقد كان الصديق أبو بكر ، وكان الفاروق عمر آنئذ هناك ، فهل من حقنا أن نتساءل : لما ذا لم يختص الرسول أحدهما بهذا الذي اختص به عليا؟ إن تساؤلا كهذا يفسد جلال المشهد ويفوّت علينا رواءه. والمسلم الذي ينشد الأدب مع رسول الله وأصحابه يحني هامته إجلالا لهذا الرعيل الأول والأسبق من أصحابه على حد سواء.
اختار الرسول إذن عليا ليكون في هذه المؤاخاة أخاه ، وكل شرف كان الإسلام يضفيه على ابن أبي طالب كان يزيد إحساسه بمسئولياته الدينية شحذا ، وقوة. ولم يكن في طول الدنيا وعرضها ما يراه ابن أبي طالب كفوا لأن يكون مثوبة على إسلامه وأجرا.
إن الإمام كرم الله وجهه كان يعرف تماما قيمة الذي هداه ربه إليه ، وكان من الذين يؤمنون بأن الخير مثوبة نفسه. فالذي يوفق للخير ولحق يكون جاهلا بقيمة الحق والخير ، إذا هو طلب من الدنيا مثوبة وأجرا نظير فعله الخير وحمله راية الحق.
وهكذا حمل علي إسلامه بين جنبيه ، وتحت ضلوعه ، وفي أعماق روحه ، ومضى يستصغر شأن الدنيا بكل فنونها وزينتها.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
