__________________
وكلما تراءت له مباهجها سدها بعبارته المأثورة : يا دنيا ، إليك عني .. يا دنيا ، غري غيري. وعلي في إسلامه ، نموذج عظيم مكتمل الشكل والجوهر. فإذا كان الإسلام عبادة ، ونسكا جهادا ، وبذلا ترفعا وزهدا فطنة وورعا سيادة وتواضعا قوة ورحمة عدالة وفضلا استقامة وعلما بساطة وتمكنا ولاء وفهما.
إذا كان الإسلام ذلك كله ، فإن سابق المسلمين عليا كرم الله وجهه كان أحد النماذج الباهرة والنادرة لهذا الإسلام. ومن شاء أن يتعرف إلى حياة الإمام وسلوكه ، فليقرأ كلماته ذلك أنه لم يكن بين مقاله وفعاله ، تفاوت أو تناقض.
أجل لم يكن بين ما يقول ، وما يفعل. بعد ولا مسافة ، ولا فراغ.
فإذا حث الناس على الزهد ، فلأنّه أسبقهم إليه ، وإذا حثهم على البذل ، فلأنه أقدرهم عليه ، وإذا حثهم على طاعة أية طاعة فلأنه يمارسها في أعلى مستوياتها. صلى الفجر يوما بأصحابه في الكوفة ، وهو أمير المؤمنين ، فلما فرغ من صلاته جلس سائما حزينا ولبث في مكانه ومجلسه ، والناس من حوله يحترمون صمته فلا يتحركون حتى طلعت الشمس ، واستقر شعاعها العريض على حائط المسجد من داخل. فنهض الإمام علي وصلى ركعتين ثم هز رأسه في أمى ، وقلب يده وقال : والله لقد رأيت أصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم ، فما أرى اليوم شيئا يشبههم .. لقد كانوا يصبحون وبين أعينهم آثار ليل باتوا فيه سجّدا لله ، يتلون كتابه ويتراوحون بين جباههم وأقدامهم ... وإذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح ... وهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم.
هذه صورة الماضي العظيم. صورة الأيام الجليلة الرائعة أيام الوحي والرسالة يعيش فيها علي العابد دوما وأبدا ولا يستطيع الزمن مهما توغل في البعد أيامه وأعوامه أن ينتزع الإمام العابد منها ، فهي منسكه ومحرابه.
وإنه ليحدث المسلمين عن الإسلام الذي آمن به ، وجعله كتاب حياته ، فيقول : تعلموا العلم ، تعرفوا به ، واعملوا ، تكونوا من أهله .. ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد أتت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
