__________________
والإساءة لما تختف معالمها ، ولو أنك تركت ذلك كله إلى سجاحة الأخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيا ، لرأيت أنه المضروب به المثل في كل ذلك حتى عابه به أعداؤه ، فقال عمرو بن العاص لأهل الشام : إنه ذو دعابة شديدة.
وقال الفاضل المعاصر الأستاذ عباس محمود العقاد في «المجموعة الكاملة ـ العبقريات الإسلامية» (ج ٢ ص ٢٧ ط دار الكتاب اللبناني ـ بيروت) بعد بيان زهده الشديد في الدنيا :
وعلى هذا الزهد الشديد كان علي رضياللهعنه أبعد الناس من كزازة طبع وضيق خطيرة وجفاء عشرة ، بل كانت فيه سماحة يتبسط فيها حتى يقال دعابة ، وروي عن عمر بن الخطاب رضياللهعنه أنه قال له : «لله أبوك لو لا دعابة فيك» وإنه قال لمن سألوه في الاستخلاف : «ما أظن إلا أن يلي أحد هذين الرجلين : علي أو عثمان ، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين ، وإن ولي علي ففيه دعابة ، وأحر به أن يحملهم على الطريق».
وأغرق ابن العاص في وصف الدعابة فسماها «دعابة شديدة» وطفق يرددها بين أهل الشام ليقدح بها في صلاح الإمام للخلافة ، وإنما نقول أن ابن العاص أغرق في هذا الوصف ، وإن الدعابة المعيبة لم تكن قط من صفاته ، لأن تاريخ علي وأقواله ونوادره مع صحبه وأعدائه محفوظة لدينا لا نرى فيها دليلا على خلق الدعابة فضلا عن الدليل على الإفراط فيه ، فإن كان لهذا الوصف أثر أجاز لعمر بن الخطاب أن يذكره فربما كان مرجع ذلك أن عليا خلا من الشغل الشاغل سنين عدة ، فأعفاه الشغل الشاغل من صرامته وأسلمه حينا إلى سماحته وأحاديث صحبه ومريديه فحسبت هذه الدعاة من الدعابة البريئة ثم بالغ فيها المبالغون ، ولم يثبتوها بقصة واحدة أو شاردة واحدة تجيز لهم ما تقولونه.
وقد كانت للإمام صفات ومزايا فكرية تناصي المشهور المتفق عليه من صفاته النفسية ومزاياه الخلقية. فاتفق خصومه وأنصاره على بلاغته ، واتفقوا على علمه وفطنته ، وتفرقوا فيما عدا ذلك من رأيه في علاج الأمور ودهائه في سياسة الرجال.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2812_ihqaq-alhaq-31%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
