__________________
والحق الذي لا مراء فيه إنه كان على نصيب من الفطنة النافذة لا ينكره منصف ، وإنه أشار على عمر وعثمان أحسن المشورة في مشكلات الحكم والقضاء ، وإنه كان أشبه الخلفاء بالباحثين والمنقبين أصحاب الحكمة ومذاهب التفكير ، وعنه أخذ الحكماء الذين شرعوا علم الكلام قبل أن يتطرق إليه علم فارس أو علم يونان ، وكان يفهم أخلاق الناس فهم العالم المراقب لخفايا الصدور ويشرحها في عظاته وخطبه شرح الأديب اللبيب.
إلى هنا متفق عليه لا يكثر فيه الخلاف ، ثم يفترق الناس في رأيه رأيين وإن لم يكونوا من الشانئين المتحزبين ، فيقول أناس إنه كان على قسط وافر من الفهم والمشورة ، ولكنه عند العمل لا يرى ما تقضي به الساعة الحازبة ولا ينتفع بما يراه ، ويقول أناس بل هو الاضطرار والتحرج يقيدانه ولا يقيدان أعداءه وإنهم لدونه في الفطنة والسداد. وهو رضياللهعنه قد اعتذر لنفسه بمشابه من هذا العذر حين قال : «والله ما معاوية بأدهى مني ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس».
أما مقطع الرأي بين الرأيين فنرجو أن نفصله في مواضعه من الفصول التالية مشفوعا بمناسباته ، ولكننا نستطيع أن نجزم هنا بحقيقتين تجملان ما نبسطه في مواضعه من الكتاب ، ولا نحسبهما تتسعان لجدل طويل ، وهما أن أحدا لم يثبت قط أن العمل بالآراء الأخرى كان أجدى وأنجع في فض المشكلات من العمل برأي الإمام ، وإن أحدا لم يثبت قط أن خصوم الإمام كانوا يصرفون الأمور خيرا من تصريفه ، لو وضعوا في موضعه واصطلحت عليهم المتاعب التي اصطلحت عليه ، وكلتا الحقيقتين حرية أن تضبط لسان الميزان قبل أن يميل فيغلو به الميل هنا أو هناك ، هذه صفات تنتظم في نسق موصول : رجل شجاع لأنه قوي ، وصادق لأنه شجاع ، وزاهد مستقيم لأنه صادق ، ومثار للخلاف لأن الصدق لا يدور بصاحبه مع الرضا والسخط والقبول والنفور ، وأصدق الشهادات لهذا الرجل الصادق أن الناس قد أثبتوا له في حياته أجمل صفاته المثلى ، فلم يختلفوا على شيء منها إلا الذي اصطدم بالمطامع وتفرقت حوله
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2812_ihqaq-alhaq-31%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
