وهنا يلف الحنو الإِلۤهي هذا العبد اللاهي المتمرد على ربه ، فيسدل على قبائحه ستراً يضلل به ليبعده عن أعين الناس . هذا حاله ، وهو عاصٍ فكيف بمن تاب ، وعاد الى رشده ليجد من برد رحمة الله وفيض عطفه ما يحقق له آماله في قبول التوبة ، والتجاوز عن كل ما صدر منه .
« وكم من فادحٍ من البلاء أقلته » .
فدحه الأمر ، وفدحه الحمل ، وفدحه الدين اثقله ، وعاله ، وبهضه ويقال : نزل به أمر فادح ، أو ركبه دين فادح ، أي ثقيل أما الإِقالة ، فهي : بمعنى العفو ، والمسامحة (١) .
وفي هذه الفقرة يعترف الداعي بنعمة الله عليه في دفع كثير من الإِبتلاءات ، والبلايا التي كان من المقرر نزولها به تبعاً لما جنته يده من الذنوب ، ولكنه بعطفه ، وكرمه دفع كل ذلك عنه .
ويصور لنا الإِمام الكاظم « عليه السلام » مثل هذا المنظر في مناجاته ، فيشكر الله على عدم إبتلائه عندما يقول :
« إلۤهي ، وكم من عبدٍ امسى ، وأصبح مسافراً شاخصاً عن أهله وولده ، متحيراً في المفاوز تائهاً مع الوحوش والبهائم والهوام ، وحيداً فريداً لا يعرف حيلة ، ولا يهتدي سبيلاً ، أو متأذياً ببردٍ أو حرٍ ، أو جوعٍ أو عري ، أو غيره من الشدائد مما أنا منه خلو في عافية من ذلك كله فلك الحمد يا رب من مقتدرٍ لا يغلب ، وذي أناة لا يعجل . سيدي ومولاي ، وكم من عبدٍ أمسى ، وأصبح
__________________
(١) النهاية لابن الاثير : مادة ( فدح ، وقيل ) .
