__________________
غوامض الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شيء ويبسطها الظلام القابض لكل حي ، وكيف غشيت أعينها عن أن تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها .. فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا ، والنهار لها سكنا وقرارا ، وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران كأنها شظايا الآذان ، غير ذوات ريش ولا قصب .. تطير وولدها لاصق بها لاجئ إليها ، يقع إذا وقعت ، ويرتفع إذا ارتفعت ، لا يفارقها حتى تشتد أركانه ، ويحمله للنهوض جناحه ، ويعرف مذاهب عيشه ومصالح نفسه ، فسبحان البارئ لكل شيء على غير مثال خلاف غيره.
ومثله قوله عن الطاووس : ومن أعجبها خلقا الطاووس الذي أقامه في أحكم تعديل ونضد ألوانه في أحسن تنضيد ، بجناح أشرج قصبه وذنب أطال سحبه ، إذا درج إلى الأنثى نشره من طيه ، وسما به مظلا على رأسه .. وقد ينحسر من ريشه ويعرى من لباسه فيسقط تترى وينبت تباعا ، فينحت من قصبة نحتات أوراق الأغصان ، ثم يتلاصق ثانيا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه لا يخالف سالف ألوانه ولا يقع لون في غير مكانه ..
ونحن لا نستغرب ابتداء هذا النمط من النظر الفلسفي على نحو من الأنحاء في عصر الامام علي رضياللهعنه ، لأنه كان عهدا نبتت فيه أصول الفرق الإسلامية جميعا من الخوارج والشيعة ، والقائلين بالرجعة وتناسخ الأرواح ، والمجتهدين في قراءة القرآن وتفسيره على شتى المذاهب .. فأقرب شيء إلى المعقول أن يكون إمام العصر كله قدوة في الاجتهاد والنظر وعنوانا للنوازع التي تفرقت بين أهل زمانه ، وتعبيرا صادقا لتفكيره ووعيه ، وصاحب أقوال من قبيل هذه الأقوال التي قدمناها وان لم تكن هي إياها بالنص والتفصيل ..
ويستقيم مع هذا التقدير أن يكون الامام على سجيته مؤثرا للاجتهاد ما استطاعه ، معرضا عن التقليد ما استغنى عنه ، فوافق الخلفاء من قبله في أمور وخالفهم في أمور ، وأبى أن يأتم بعملهم فيما يراه وما لا يراه ، وأوصى ابنه الحسن وقد بلغ الستين فقال :
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٠ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2806_ihqaq-alhaq-30%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
