__________________
تكون مفارقته (أي مفارقة النبي) الدنيا على فراغ قلب من أمر الأمة فإنه (أي النبي) إنما بعث لرفع الخلاف وتقرير الوفاق فلا يجوز أن يفارق الأمة ويتركهم هملا يرى كل واحد منهم رأيا ، ويسلك كل واحد منهم طريقا لا يوافقه في ذلك غيره ، بل يجب أن يعين شخصا هو المرجوع إليه وينص على واحد هو الموثوق به والمعول عليه ، وقد عين عليا رضياللهعنه تعريضا وفي مواضع تصريحا.
ولكن ما هي الشروط التي يجب توافرها فيمن يكون إماما عند الشيعة الإثني عشرية؟
نقول إجابة على هذا السؤال : إن الإثنا عشرية يعتقدون أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ، ما ظهر منها وما بطن ، من سن طفولته إلى موته ، عمدا وسهوا ، كما أنه يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان. وذلك لأن الأئمة هم حفظة الشرع والقوامون عليه ، حالهم في ذلك حال النّبي ، والدليل الذي يقتضي عصمة النبي عندهم هو نفس الدليل الذي يقتضي عصمة الإمام.
ويعتقد الإثنا عشرية أن الإمام كالنبي يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال الإنساني كالشجاعة والكرم والعفة والصدق والعدل والتدبير والعقل والحكمة.
ويجب أن يكون الإمام مؤيدا من طريق الإلهام بالقوة القدسية. فالإمام يتلقى المعارف من طريق النبي أو الإمام الذي قبله ، فإذا استجد شيء فلا بد أن يعلمه من طريق هذه القوة القدسية ، فمعرفة الإمام عن هذا الطريق الأخير ليست من قبيل الاستدلال العقلي ، وإنما تتجلى المعلومات في نفسه كما تتجلى المرئيات في المرآة الصافية ، وهنا يتفق الإثنا عشرية مع بعض فلاسفة الإسلام والصوفية الذين جعلوا وراء العقل واستدلالاته طريقا حدسيا أو كشفيا للمعرفة.
هذا ، وتجب طاعة الأئمة مطلقا ، فأمرهم أمر الله ، ونهيهم نهيه ، وطاعتهم طاعته ، ومعصيتهم معصيته ، ووليهم وليه ، وعدوهم عدوه ، ولا يجوز لذلك الرد عليهم لأن الراد عليهم كالراد على الرسول ، والراد على الرسول كالراد على الله ، فيجب التسليم لهم والانقياد لأمرهم ، ولا تستقى الأحكام الشرعية إلا منهم ، فيجب الرجوع إليهم ، ويستند الإثنا عشرية هنا إلى ما يروى عن النّبي : إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا : الثقلين ،
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٢٩ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2797_ihqaq-alhaq-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
