__________________
وهناك من يجعل الشك عنده يقينا بالتزوير والدس اللئيم. فكان يرسل عليه العيون والجواسيس ، لإرصاد كلماته التي كان يلقيها في حلقة درسه ، كما يرصد حركاته وتصرفاته ، إلا أن هذه المراقبة الشديدة التي كان المنصور فيها بارعا ، بحيث كانت تقع دون أن يشعر الإمام بثقلها ، وإن كان يعلم بوجودها ، ولكن عند ما تبلغ هذه الشكوك منزلة الظن الغالب على التصديق ، التي كان يأتي بها رجال دائرة مباحثه ، فإنه يستدعيه بغير تكريم ، وهو ذلك الإمام الصابر على فواجع أهل بيته ونكبات بني عمومته.
حين حصل خروج الأخوين الكريمين ، همس رجال المباحث في أذن المنصور أن الإمام الصادق يؤيد خروجهما بل هو من ورائهما ، والحقيقة خلاف ذلك فاستدعاه للتحقيق معه ، وقد استعمل المنصور في هذا غلظة القول ، وسلك سبيل الإساءة في هذا التحقيق ، ولم يراع نور الهدى ، وطيب الأرومة ووقار الشيخوخة التي بلغت السبعين ، ولا حرمة القربى أو صلة الرحم أو مكانة العلم.
ومن ذلك مناقشته وتحقيقه حين كان في الكوفة بعد أن بلغ الصادق وصيته لأهله (قال المنصور : أنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وفسادك على أهل البيت من بني العباس ، وما يزيدك الله بذلك إلا شدة حسد ونكد ، وما تبلغ به ما تقدره).
فقال الإمام الصادق : والله يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا من ذلك. هذا ولقد كنت في ولاية بني أمية وأنت تعلم أنهم أعدى الخلق لنا ولكم ، وأنهم لا حق لهم في هذا الأمر ، فو الله ما بغيت عليهم ولا بلغهم عني شيء مع جفائهم الذي كان لي ، وكيف أصنع هذا الآن وأنت ابن عمي ، وأمس الخلق بي رحما ، وأكثر عطاء وبرا ، فكيف أفعل ذلك.
فأطرق المنصور ساعة .. ثم قال : يا جعفر ما تستحيي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل وتشق عصى المسلمين؟ تريد أن تريق الدماء وتطرح الفتنة بين الرعية والأولياء؟
قال الصادق : لا والله يا أمير المؤمنين ما فعلت ، ولا هذه كتبي ولا خطي ، لا خاتمي ـ كان المنصور قد أخرج له كتبا إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض البيعة.
فانتضى من السيف ذراعا فما زال يعاقبه وجعفر يعتذر إليه ، ثم اغمد السيف وأطرق ساعة
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٢٨ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2796_ihqaq-alhaq-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
