__________________
الله عليه وسلم القائل : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» فكيف يتنعم الحسن في الدنيا وهو مؤمن ويشقى اليهودي وهو كافر؟ ولما ذا لا يكون حالهما بالعكس إذا كان حديث رسول الله صادقا؟ سؤال يريد به إحراج الحسن من جهة وتشكيكه في حديث رسول الله من جهة أخرى. لكن الحسن رضياللهعنه كان حاضر البديهة. فأجاب بجواب مقنع مفحم حيث أوضح له أن حالته التي يشكو منها إنما هي كالجنة بالنسبة إلى عذاب الآخرة الذي أعد للكافرين وأن حالة الحسن التي ظنها نعيما إنما هي كالسجن بالنسبة إلى نعيم الجنة الذي أعد للمتقين.
قال ابن سيرين : تزوج الحسن امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم ولا ريب أن كثرة الزواج والطلاق تحتاج إلى كثرة الإنفاق.
قال سفيان بن عيينة : كثرة النساء ليست من الدنيا. وأنكر بعض الناس حال الصوفية فقال له بعض ذوي الدين : ما الذي تنكر منهم؟ قال : يأكلون كثيرا. قال : وأنت أيضا لو جعت كما يجوعون لأكلت كما يأكلون. قال : ينكحون كثيرا. قال : وأنت أيضا لو حفظت عينيك وفرجك كما يحفظون لنكحت كما ينكحون.
وجه الحسن ذات يوم بعض أصحابه لطلاق امرأتين من نسائه وقال لهما : اعتدا وأمره أن يدفع إلى كل واحدة منهما عشرة آلاف درهم. ففعل. فلما رجع إليه ، قال : ما ذا فعلت؟ قال : أما إحداهما فنكست رأسها وتنكست ، وأما الأخرى فبكت وانتحبت وسمعتها تقول : «متاع قليل من حبيب مفارق».
فأطرق الحسن وترحم لها. وقال : لو كنت مراجعا امرأة بعد ما فارقتها لراجعتها.
ودخل الحسن ذات يوم على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقيه المدينة ورئيسها ولم يكن له بالمدينة نظير وبه ضربت المثل عائشة رضياللهعنها حيث قالت : «لو لم أسر مسيري ذلك لكان أحب إلي من أن يكون لي ستة عشر ذكرا من رسول الله صلىاللهعليهوسلم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام» فدخل عليه الحسن في بيته فعظمه عبد الرحمن وأجلسه في مجلسه. وقال : ألا أرسلت إلي فكنت أجيئك؟ فقال : الحاجة لنا. قال : وما هي؟ قال : جئتك خاطبا ابنتك. فأطرق عبد الرحمن ثم رفع رأسه وقال : والله ما على وجه الأرض أحد يمشي عليها أعز علي منك ، ولكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني يسوءني ما ساءها ويسرني ما سرها وأنت مطلاق فأخاف أن تطلقها ، وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي عليك فأنت بضعة
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٢٦ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2794_ihqaq-alhaq-26%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
