__________________
وبالجملة تفويض أمر نصب السلطان إلى آراء الناس يؤدى الى محق الدين وتضييع الشريعة ، وهو مناف لغرض التشريع لمكان الشهوات والأهواء كما مر.
فان قلت المحذور انما يلزم إذا كان تفويض أمر نصب الامام الى آراء الناس كيفما أرادوا من غير اشتراط العدالة في الزعيم ، وأما لو اعتبر في المنصوب للزعامة وصف العدالة لم يصدر منه ما ينا في مصلحة الشرع ، بل يكون مقبلا على ترويج الدين وتسهيل مقدمات نشر الشريعة ويهدى الناس إلى باب حجة الله ، فيكون أمر الدين متقسما بينهما يكون أمر تعليم الشريعة وبيان حقائقها إلى حجة الله القائم بأمره والمنصوب من قبله ؛ ويكون ترويج الدين ومنع المدلسين ودفع من تعرض لتحريف الشريعة ودس الاحكام بيد السلطان العادل المنصوب من قبل الناس. قلت هيهات ثم هيهات فكم من شواهد لم تكن صادقة وأمارات قد تخلفت كيف لا ولا يعلم السرائر والضمائر الا علام الغيوب الواقف عليها ، سلمنا أن من نصبوه اماما وقائدا وجعلوا بيده أمر دينهم ودنيا هم كان عادلا صائنا لنفسه عن الكبائر ، فمن أين الوثوق والاطمينان ببقائه على تلك الحالة ، فكيف يجعل زمام رياسة الدين بيد من لا يعرف أحد كيف يكون منقلب أحواله بعد تقمص الخلافة وتقلد الزعامة ، فربما ينخلع بعد ركوبه لمسند الخلافة وقبضة القدرة عن العدالة وتنقلب حاله إلى ضدها وهتك جلباب التقى ، ولا يؤمن معه على دماء المسلمين واعراضهم وأموالهم من تعديه وتعدى عماله ويقع الدين في معرض الزوال والاضمحلال ، ويحولون عن وصول الناس إلى حجة الله ومن أودع عنده ودائع الدين حذرا عن تمايل الناس الى طاعته ، ويمنعونه عن اظهار ما عنده من العلم حذرا عن الفضيحة وانكشاف قبايح أعمالهم ولا تقدر الرعية على دفعه بعد تحكيمه لمبانى سلطنته وتشديد سلطته وقدرته ، بل تتبعه في الاشتغال بالفسوق والمعاصي فان الناس على دين ملوكهم ، ومن راجع إلى تاريخ الخلفاء يعلم ما ذكرنا بالعين والشهود سيما ماجريات نوادى يزيد والوليد ومروان والمتوكل ، ومما يترتب على احالة أمر السلطنة والخلافة إلى اختيار الناس أن السلطان المنصوب بآرائهم ربما لا يرد أمر زعامة الناس وسلطنتهم بعده إليهم ليختاروا لها من شاءوا بل يستقل في تعيين من أراده للسلطنة والزعامة كما وقع ذلك من اكثر الخلفاء
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2705_ihqaq-alhaq-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
