المسألة ١٥٢ :
السبب فى إضمار «أن» وجوبا ، وجوازا.
تقدمت (١) المواضع التى تضمر فيها «أن» الناصبة بنفسها للمضارع بالرغم من إضمارها. ولا ترضى جمهرة النحاة أن يكون الناصب فى تلك المواضع عاملا آخر. وتتلخص الحجة فيما يأتى :
نصب المضارع لا بد أن يكون أثرا لعامل ناصب ، إن لم يظهر فى الكلام فلا مناص من تقديره مختفيا (٢) ؛ يعمل النصب وهو مضمر. إذ لا يستقيم المعنى بغير إضماره جوازا حينا ، ووجوبا حينا آخر.
(ا) يتضح هذا من مواضع الإضمار الجائز التى منها «المضارع المسبوق بلام التعليل» (فى مثل : تداوى المريض ليبرأ ـ تعلم الناشئ ليسعد ـ أجاد الصانع ليشتهر) ... فسبب الإضمار هنا أن «التعليل» أمر معنوى محض ؛ فهو متجرد من الدلالة على الزمان ، أو المكان ، أو الذات ، أو غيرها ... ، مقتصر على الناحية العقلية الخالصة ؛ (ومن الأمثلة أيضا : التداوى ـ البرء ـ السعادة ـ الاشتهار ـ القيام ـ القعود ـ الحصد ـ الأكل ـ الشرب ـ السفر ...) على حين يتضمن المضارع الذى بعد «لام التعليل» الدلالة على الزمان حتما. فهو مخالف لذلك القانون اللغوىّ الثابت الخاص بالتعليل ؛ ومناقض له ، مع أنهما فى كلام واحد مرتبط المعنى. فلا بد من منع هذا التناقض بوسيلة سائغة تخضع هذا المضارع للقانون العام المطرد. وقد وجدها النحاة فيما يسمونه : «المصدر المؤول». وزاد اطمئنانهم إليه حين رأوا العرب يعطفون عليه المصدر الصريح عطفا يدل على اشتراكهما فى الدلالة المعنوية المحضة. ولم يبق بعد هذا إلا اهتداؤهم إلى الحرف المصدرى السابك. فهل يكون لام التعليل فى الأمثلة السالفة؟
قالوا : لا ؛ لأنها حرف جر ، والمضارع بعدها منصوب ، ولا يقبل الجر. فما الذى نصبه وليس فى الكلام عامل نصب؟ هل تكون لام جر ونصب معا ؛ فتنصب المضارع
__________________
(١) فى ص ٢٦٨ و ٢٩٨
(٢) أو محذوفا سماعا فى بعض الحالاث ـ كالتى فى الصفحة السالفة ـ
![النّحو الوافي [ ج ٤ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2670_alnahw-alwafi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
