اللازم أن يشمله النفى الذى يقع على «القيد» لا محالة (١) ، فإذا قلت : ما جاء محمد راكبا. «فالركوب» «قيد» فى المجىء. وهذا القيد (الركوب) منفى قطعا. أما حكم المقيّد وحده ، وهو «المجىء» المطلق (٢) فقد يكون منفيّا (أى : لم يقع) ، وقد يكون غير منفىّ. فعدم الركوب مقطوع به ؛ سواء أوقع المجىء أم لم يقع. والحكم بوقوع المجىء أو عدم وقوعه محتاج إلى قرينة أخرى تعينه ...
وعلى هذا الأساس يصح أن يتجه الفهم فى المثال الأسبق ، (وهو : ما تحضر فتحدثنا). إلى أنّ التحديث «قيد» للحضور. والقيد منفى ـ لا محالة ـ فى حالتى الحضور وعدمه (٣). أما الحضور نفسه بغير تحديث فقد يكون منفيّا أو غير منفى. فهو مسكوت عنه ، يحتاج إلى ما يعيّن أحد الأمرين ؛ شأنه شأن التقييد بالحال ؛ فكأنك تقول : ما تحضر متحدثا. فالتحديث هو القيد المنفى دائما ، والحضور هو المقيّد المسكوت عنه ، إذا نظرنا إليه وحده بغير قيده ، أو : كأنك تقول : ما يكون منك حضور يعقبه ويترتب عليه تحديث. فالتحديث هو المقطوع بنفيه. أما الحضور المطلق وعدمه فأمرهما للقرينة ؛ تعيّن أحدهما دون الآخر. وعلى هذا فالفاء للسببية والمصدر المؤول بعدها معطوف على مصدر قبلها والنفى منصب على القيد وحده ، كما شرحنا. ومن هذا قول الشاعر :
|
ومن لا يقدّم رجله مطمئنة |
|
فيثبتها فى مستوى الأرض يزلق |
فكأنه قال : من لا يقدّم رجله مثبتا يزلق.
(ب) ويقول النحاة : إن المعنى قبل «فاء السببية» قد يكون مثبتا ؛ بأن يتخطاه النفى إلى ما بعدها. بالرغم من وجود النفى قبلها ـ كما يفهم من بعض الحالات السابقة (٤) ـ فإن تسلّط النفى على ما قبلها فالفاء تفيد معنى التسبب الذى
__________________
(١) قد يعبرون عما سبق بقول أدق ؛ هو : أن المقيّد لا ينصب عليه النفى إلا فى حالة واحدة هى التى يتقيد فيها ، ويتحقق فيها وجود القيد دون غيرها من بقية الحالات التى لا تدخل فى دائرة القيد ؛ فقد يشملها النفى أو لا يشملها ؛ على حسب القرائن. ويزيد الأمر وضوحا إذا رجعنا إلى «ب» ص ٣٠٢
(٢) وهو غير المقيد بالركوب.
(٣) وهو فى حالة العدم أحق وأولى ؛ إذ لا يمكن أن يحدثنا مع عدم مجيئه ، وانتفاء حضوره.
(٤) الحالة الثانية من حالات النصب.
![النّحو الوافي [ ج ٤ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2670_alnahw-alwafi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
