وهل من النفى المحض النفى الواقع بعد : «الاستفهام التقريرى» (١) ؛ كقول الوالد يعاتب ابنه العاق : ألم أتعهد شئونك صغيرا ؛ فتتذكر فضلى؟ ـ ألم أجاهد فى سبيل إسعادك فتحمد جهادى؟
الصحيح جواز الأمرين ، النصب على اعتبار النفى محضا ، والرفع على اعتباره منقوضا وغير قائم ؛ بسبب همزة التقرير ، وبهما جاء القرآن. قال تعالى عن الكافرين : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ...) بنصب المضارع : «تكون». وقال فى آية أخرى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ، برفع المضارع : «تصبح» (٢) ...
وإذا كانت فاء السببية حرف عطف دائما ، والمعطوف بها هو المصدر المؤول بعدها ـ فأين المعطوف عليه؟
يقول النحاة : لا بدّ أن يكون المعطوف عليه مصدرا أيضا ، ليتشابه المعطوف والمعطوف عليه فى المعنى المجرد (٣). وفى هذه الحالة يتحتم أن يكون العطف عطف مفردات لا عطف جمل. فإن وجد مصدر فى الكلام قبلها فهو المعطوف عليه ، وإن لم يوجد وجب تصيده من ذلك الكلام السّابق ، وليس لهذا التصيد ضابط
__________________
(١) الاستفهام الحقيقى هو : طلب معرفة شىء مجهول ـ حقا ـ للمتكلم. فهو يريد أن يعرفه. أما الاستفهام التقريرى فيراد به ـ غالبا ـ ثبوت مدلول الشىء المسئول عنه ، المعلوم للمتكلم ؛ وتقريره فى نفس المخاطب ، والسامع ، أى : طلب الاعتراف بوقوعه والموافقة على حصول مدلوله. فإن كان الاستفهام عن شىء منفى صار المعنى ـ غالبا ـ مثبتا بسبب الاستفهام المراد منه التقرير ؛ نحو : ألم تحضر فأحسن إليك. فالمعنى : أنك حضرت فعلا ، فأحسنت إليك. ومنه (ألم نشرح لك صدرك ..) وبسبب أنه يتضمن ثبوت المعنى المنفى ، غالبا ، وتقرير حصوله بغير نفى ، قال بعض النحاة : إن المضارع لا ينصب معه بعد الفاء ، وأن ما ورد منه منصوبا ـ كالآية الأولى (أفلم يسيروا فى الأرض فتكون ...) فلمراعاة صورة النفى ، ومظهره اللفظى ، لا معناه ، أو لمراعاة الاستفهام فى الكلام ، فما بعد الفاء ـ فى هذه الصورة التى يراعى فيها الاستفهام ـ يكون جوابا للاستفهام ؛ لا للنفى.
ولا يعنينا هذا الخلاف وما تفرع عنه من فروع كثيرة. إنما الذى يعنينا هو جواز الرفع والنصب مع ملاحظة أن المعنى على أحدهما يخالف المعنى على الآخر حتما. ولهذا تكملة هامة فى رقم ٣ من هامش ص ٣٤١ (وتجىء إشارة موجزة ـ فى رقم ١ من ص ٣٥١ ـ لبعض ما سبق)
(٢) انظر رقم ١ من ص ٣٥١ وقيل : إن كان ما بعد الفاء مسببا عما قبلها نصب المضارع ؛ كالآية الأولى. وإلا رفع كالثانية ؛ لأن رؤية نزول المال ليست سبب الخضرة.
(٣) مما يوضح هذا ما سبق فى ص ٣٠٩ و ٣١٠.
![النّحو الوافي [ ج ٤ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2670_alnahw-alwafi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
