ولا تكون هذه «الفاء» للسببية الجوابية إلا بشرط أن يسبقها ـ فى الأغلب (١) ـ أحد شيئين ؛ (إما النفى المحض ، أو ما ألحق به) ، (وإما الطلب المحض ، أو ما ألحق به). فإن لم يسبقها شىء مما تقدم لم يصح ـ فى الأغلب (٢) ـ اعتبارها سببية جوابية. وفيما يلى التفصيل الخاص بهذا الشرط :
النفى المحض ، وما ألحق به :
(ا) المراد من النفى : سلب الحكم عن شىء بأداة معينة (٣). وهذه الأداة النافية قد تكون حرفا ؛ (مثل : لا ـ ما ـ لم ـ لن ...) وقد تكون فعلا ، (مثل : ليس ـ زال) ... وقد تكون اسما ؛ (مثل : غير ...) نحو : لا يهمل الصانع فيقبل على صناعته الناس ـ ليس الأحمق مأمونا فتصاحبه ـ الأديب الظريف غير حاضر فيؤنسنا.
ويلحق بالنفى : التشبيه المراد به النفى بقرينة دالة عليه ، كقول الجندى لزميله المتكبر : (كأنك القائد فنطيعك) ... وكذا التقليل المراد به النفى ـ أحيانا ـ بقرينة ؛ ومن ألفاظه : «قلّما» و «قد» ؛ نحو : (قلّما يشيع الظلم والخلاف فى أمّة فتنهض. بهذا خبّرنا التاريخ ، وقطع به) ـ (أيها المتحدث عن الشجاعة فى الحروب ، وما حملت سيفا ، ولا اقتحمت معركة ؛ قد كنت فى معركة فتصفها) ... فالمعنى فى الأمثلة السالفة منفى ؛ أى : ما أنت بالقائد فنطيعك ـ لا يشيع الظلم والخلاف فى أمة فتنهض ـ ما كنت فى معركة فتصفها.
(ب) والمراد بالمحض ؛ الخالص من معنى الإثبات ؛ فلا يوجد فى الكلام
__________________
(١) هذا الشرط واجب فى أغلب الحالات ؛ لأن هناك ست حالات ، أخرى ، يجوز فى كل منها اعتبار الفاء سببية مع فقد الشرط. وستجىء فى ص ٣٥١.
(٢) المراد من النفى معروف شائع. ولكن الشراح ـ كعادتهم ـ يتناولونه بالتعريف والتحديد ؛ فيقولون عنه : إنه سلب الحكم عن الشىء ، أو : رفع النسبة الثابتة بين شيئين ، أو إزالة الإسناد الموجب بينهما ... أو .. وكل هذه التعريفات ـ وغيرها ـ يرمى إلى غرض واحد ؛ هو سلب الحكم الموجب ، ويوضحوها بما يأتى : من قال : «محمود عادل» ، فقد أثبت له العدل ، أو : نسب له العدل ، أو ، أسند إليه العدل ، أو حكم عليه بالعدل ... وكلها عبارات متحدة المدلول. فإذا قال : ما محمود عادلا. فقد سلب عنه ما ثبت له ، أو أزال ما نسب إليه ، أى : أزال النسبة السابقة ، أو ما أسند إليه ، أو رفع الحكم السابق ...
هذا ، وفى الأمثلة التالية توضيح ما سبقت الإشارة الهامّة إليه ؛ (فى. «د» من هامش ص ٣٣١) وهو أن النفى قد يكون منصبا على ما قبل الفاء وما بعدها معا ، وقد يكون منصبا على أحدهما فقط.
![النّحو الوافي [ ج ٤ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2670_alnahw-alwafi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
