الأداه الرابعة : فاء السّببية الجوابية (١) :
معناها : يتّضح من الأمثلة التّالية :
١ ـ لا يغضب العاقل فيفقد صواب الرأى ، ولا يتبلّد فيفقد كريم الشعور.
٢ ـ لست أنكر الفضل فأتّهم بالجحود أو بالحقد ، ولست أبالغ فى الثناء ؛ فأتهم بالغفلة أو الرياء.
٣ ـ لا تصاحب غادرا فينالك غدره ، ولا تأتمن خائنا فتصيبك خيانته.
٤ ـ أتعرف لنفسك حقها فتصونها عن الهوان؟ وهل تدرك أن الكبر كالضّعة ؛ كلاهما بلاء فتحذره؟
إن الناطق بمثل : «لا يغضب العاقل ؛ فيفقد صواب الرأى» ... يريد أمرين معا ، هما : نفى الغضب عن العاقل ، وبيان ما يترتب على نفيه من عدم فقد الرأى الصّائب ؛ فكأنه يقول : العاقل لا يغضب ؛ فيترتب على عدم غضبه أنه لا يفقد صواب الرأى ، أى : لا يغضب ، فلا يفقد سديد الرأى. فما بعد «الفاء» مسبب عما قبلها ، وكلاهما منفى ، هنا (٢).
__________________
(١) تجرى عليها الأحكام العامة التى سبقت فى رقم ٢ من هامش ص ٢٩٨.
(٢) لكى يكون المعنى ـ فى هذا المثال وأشباهه ـ غاية فى الوضوح نلاحظ عند استخلاصه الأمور الآتية التى تشترك فى تكوينه ، والتى سيجىء تفصيل الكلام عليها بعد قليل ، وأهمها :
ا ـ أن فاء السببية هى للعطف أيضا فتفيد الترتيب والتعقيب مع السببية.
ب ـ أن المعطوف بها هو المصدر المؤول من أن المضمرة وجوبا وما دخلت عليه.
ح ـ أن المعطوف عليه لا بد أن يكون مصدرا مؤولا كذلك. ولا بد أن يكون موجودا ، ولو من طريق التصيد.
د ـ أنها إذا وقعت بعد نفى فقد يكون المنفى هو ما قبل الفاء وما بعدها معا ؛ كما فى هذا المثال. وقد يكون أحدهما وحده ؛ (طبقا للبيان الهامّ الأساسىّ الذى فى ص ٣٣٨) والاهتداء إلى المنفى أمر ضرورى لسلامة المعنى وتطبيقا لهذه الأمور نقول فى المثال الأول لاستخلاص معناه : لا يكون من العاقل غضب ففقد صواب الرأى ـ أىّ : لا يكون من العاقل غضب يعقبه ويتسبب عنه فقده صواب الرأى. ولما كان السبب (العلة) وهو غضب : العاقل منفيا وجب أن يكون المسبب عنه منفيا كذلك ، وهو فقده صواب الرأى : وبهذا يكون النفى منصبا على ما قبل الفاء وما بعدها معا وينتهى الأمر إلى أن المعنى المراد هو : لا يغضب العاقل ؛ فلا يفقد صواب الرأى. وهكذا الباقى.
![النّحو الوافي [ ج ٤ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2670_alnahw-alwafi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
