من قرأها بالتنوين فى قوله تعالى يصف اهل الجنّة : (متّكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا. ودانية عليهم ظلالها ، وذلّلت قطوفها تذليلا ، ويطاف عليهم بآنية من فضّة وأكواب كانت قواريرا ، قواريرا من فضّة قدّروها تقديرا ...) فقد نونت كلمة «قواريرا» ، الأولى لمراعاة آخر الجملة التى قبلها ، ومراعاة لآخر الجملة التى بعدها ... ونونت كلمة : «قواريرا» الثانية لمراعاة الأولى ... ومراعاة نهاية الآية السابقة ، فإنّها منونة أيضا.
ومن الأمثلة قراءة من قرأ : «يغوث» ، و «يعوق» منونتين فى قوله تعالى عن المشركين ، ومخاطبة بعضهم بعضا بالتمسك بأصنامهم : (وقالوا : لا تذرنّ آلهتكم ، ولا تذرنّ ودّا ، ولا سواعا ، ولا يغوثا ، ويعوقا ، ونسرا (١)) ، فقد نونت الكلمتان مراعاة لما حولهما من كلمات أخرى منونة.
الثانية : الضرورة الشعرية (٢) ، وما فى حكمها (٣) ـ ؛ فيضطر الشاعر ببسبها
__________________
(١) كل هذه أسماء أصنام اتخذها المشركون من أهل الجاهلية آلهة لهم عبدوها.
(٢ ، ٢) الشائع فى أكثر الكتب النحوية أن «الضرورة» خاصة بالشعر وحده. لكن بعض المحققين لا يرون هذا التحديد الضيق ، كما صرح ابن برى فى رسالته المطبوعة فى نهاية «مقامات الحريرى» ، يدافع فيها عن صاحب «المقامات» ، ويصحح كل ما أخذه عليها «ابن الخشاب البغدادى» ، فقد صرح ابن برى بأن الضرورة ليست مقصورة على الشعر وحده ، وإنما تشمل السجع والفواصل أيضا. وفيما بلى نص كلامه (ص ١١ من تلك الرسالة) :
(اعلم أن للسجع ضرورة الشعر ، وأن له وزنا يضاهى ضرورة الوزن الشعرى فى الزيادة والنقصان والإبدال ، وغير ذلك. وحذفوا التنوين فيه كما حذفوه فى الشعر ـ وساق أمثلة متعددة تؤيد كل ما سبق ـ حكى ذلك الخليل ، وأبو حنيفة الدينورىّ ... وقد جاء مثل هذا فى فواصل القرآن ، لتتفق الفواصل. فمن الزيادة قوله تعالى فى سورة الأحزاب : عن الكافرين : (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ، يَقُولُونَ : يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ ، وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا. وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) ـ فقد زيدت ألف فى آخر كلمة «السبيل» ؛ مراعاة لكلمة «السول» ، وزيدت ألف فى كلمة : «الرسول» لأن الآيات التى قبلها مختومة ، بكلمات منونة ، منصوبة ، آخرها ألف. وكذلك زيدت ألف فى كلمة : «الظنون» من قوله تعالى فى سورة الأحزاب ..(وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا) وزيادتها لمراعاة أواخر الآيات التى قبلها ، المختومة بكلمات منصوبة آخرها ألف (أليما ـ بصيرا ..) فزيدت الألف فى الفواصل كما تزاد فى الشعر ، آخر القافية ـ بقصد الإطلاق. ومن النقص قوله تعالى فى سورة الفجر : (وَالْفَجْرِ ، وَلَيالٍ عَشْرٍ ، وَالشَّفْعِ ، وَالْوَتْرِ ، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ) فحذفت الياء من «يسر» اتباعا للوتر ، وما تقدمه. وكذلك حذفت الياء ـ من أكرمنى ، وأهاننى ـ فى قوله تعالى تعالى فى هذه السورة : (فَأَمَّا الْإِنْسانُ ـ
![النّحو الوافي [ ج ٤ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2670_alnahw-alwafi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
