الأعداء بجهلك). أو : (تجنب شرّ القتلة ؛ شاهد الزّور) ، (وهل يبرئ القاتل ، وهل يقتل البرىء سواه؟) ... فقد تزعم أن المتكلم يعرض عليك كل مسألة من هذه المسائل عرضا مجردا ، (أى : خاليا من رغبته القوية وتشدده فى مطالبتك بالتنفيذ أو بالتّرك ، خاليا من الحرص على تأديتك ما تحدّث بشأنه أو عدم تأديتك ، وتصديقك به أو عدم التصديق).
وقد يكون لك الحق فى هذا الزعم ؛ فليس فى الكلام ما يبعده. فلو رغب المتكلم أن يبعده ، ويشعر السامعين بتمسكه بمضمون كلامه ، وتشدده فى التنفيذ والتأدية ، وحرصه على تصديق ما قال ـ لزاد فى الكلام ما يدل على هذه الرغبة ؛ كأن يزيد «نون التوكيد» ، على آخر الفعل المضارع أو الأمر ؛ فإن زيادتها تفيد معنى الجملة قوة. وتكسبه تأكيدا ؛ إذ تبعد عنه الاحتمال السابق ، وتجعله مقصورا على الحقيقة الواضحة من الألفاظ ، دون ما وراءها من احتمالات. فلو قيل فى الأمثلة السالفة : (أكثرن ... ـ لا تكثرن ... ـ تجنبن ... ـ يبرئن ـ ... يقتلن ...) لكان مجىء نون التوكيد ، برغم اختصارها البالغ بمنزلة القسم ، وبمنزلة قول المتكلم : إنى أؤكد كلامى ، وأتشدد فى أن تنفذ مضمونه فى المستقبل ، وأحرص على أن تصدقه. أو : بمنزلة تكرار ذلك الكلام ، وإعادته لتحقيق الغرض السالف ، ومن أجله سميت : ب «نون التوكيد». والمشددة أقوى فى تأدية الغرض من المخففة ، وفوق هذا فكلتاهما تخلّص المضارع للزمن المستقبل ، سواء أكان اتّصالها به مباشرا أم غير مباشر (١). ومن ثمّ يمتنع دخولها على المضارع إذا كان للحال ، أو للمضىّ أحيانا ـ كما سبق ـ ؛ منعا للتعارض بينهما. أما الأمر فزمنه مستقبل فى الأغلب ؛ فتقوّى فيه الاستقبال. فإن كان لغيره خلّصته للمستقبل فالأثر المعنوى لهذه النون هو توكيد المعنى على الوجه السّالف ، وتخليص زمن المضارع للاستقبال ، وتقوية الاستقبال فى فعل الأمر أو إرجاعه إليه.
وقد تفيد النون ـ مع التوكيد ـ الدلالة على الإحاطة والشمول إذا كان الكلام
لغير الواحد ، ففى مثل : يا قومنا احذرن مكايد الأعداء ... يكون المراد : يا قومنا كلكم ، أو جميعكم ، فردا فردا ...
* * *
وخلاصة كل ما تقدم : أنهما حرفان من أحرف المعانى ، يلحقان بآخر
__________________
(١) يكون غير مباشر ؛ لوجود فاصل بينهما ؛ كالضمير.
![النّحو الوافي [ ج ٤ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2670_alnahw-alwafi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
