فلهذه الأمور الثلاثة لا تكون من القسم الأول الذى يدور فيه الكلام ؛ بل إنها ليست للتفضيل مطلقا (١) ـ كما تقدم ـ ؛ وإنما هى كلمة معدولة ، (أى : محوّلة) عن كلمة : «آخر» التى أصلها «أأخر» جاءت لتؤدى معنى ليس فيه تفضيل ، ذلك أن العرب حين أرادوا استخدام كلمة : «آخر» فى معناها الأصلى ـ وهو المغايرة المحضة الخالية من معنى التفضيل ـ عدلوا بها عن وزنها الأول ؛ بأن أدخلوا عليها شيئا من التغيير ، وحولوها إلى هذا الوزن الجديد ؛ وهو : «أخر» ، لتؤدى معنى خاليا من التفضيل لا يمكن أن تؤديه إذا بقيت على الصيغة الأولى. ويقول السيوطى (٢) ، قولا أشبه بهذا ؛ نصه :
(كان مقتضى جعل «أخر» من باب «أفعل التفضيل» أن يلازمه فى التنكير لفظ الإفراد والتذكير ، وألا يؤنث ، ولا يثنى ، ولا يجمع ، إلا معرفا ، كما كان أفعل التفضيل ؛ فمنع هذا المقتضى ، وكان بذلك معدولا عما هو به أولى ؛ فلذلك منع من الصرف) (٣) ...
فالذى دعا النحاة لهذا التحليل والتعليل هو ما رأوه من جمعها وتأنيثها مع انطباق أوصاف القسم الأول عليها ـ فى الظاهر ـ فلجئوا إلى مسألة العدول والتحويل ليتغلبوا على هذه العقبة ويجعلوا قاعدة : «أفعل التفضيل المجرد» مطردة.
قد يكون كلامهم سائغا من الوجهة الجدلية المحضة ، لكنه من الوجهة الحقيقية مردود ، ذلك أن العرب لا تعرف شيئا مما قالوه ، ولم يدر بخلدها قليل أو كثير منه حين نطقوا بالتعبير السابق وأشباهه. فإبعادا لهذا التكلف ومسايرة للأمر الواقع ، يحسن الأخذ ببعض مما قاله النحاة ـ بحق ـ وهو : أنها ليست للتفضيل فلا تنطبق عليها أحكامه ، أو أنها خالفت القاعدة ؛ فهى من الشاذ
__________________
(١ ، ١) الهمع ج ٢ ص ١٠٤.
(٢) يقول العكبرى ـ فى كتابه : «إملاء ما منّ به الرحمن» ج ١ ص ٤٥٦ ، سورة البقرة ـ ما نصه فى كلمة : «أخر» (لا تنصرف للوصف والعدل عن الألف واللام ؛ لأن الأصل فى «فعل» صفة أن تستعمل فى الجمع بالألف واللام ؛ كالكبرى والكبر ، والصغرى والصّغر). ا ه وهذا التعليل مردود كغيره بما ذكرناه هنا.
![النّحو الوافي [ ج ٣ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2662_alnahw-alwafi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
