د ـ إذا كان أفعل التفضيل المجرد (١) واجب الإفراد والتذكير فما بال العرب تقول : مرّ بنا سرب من الظباء ، بعده أسراب أخر ؛ فيأتون بكلمة : «أخر» مجموعة ومؤنثة ؛ (إذ هى جمع ، مفرده : «أخرى» ، «وأخرى» مؤنث لكلمة «آخر» الذى أصله «أأخر» على وزن : «أفعل» المذكر الدالّ على التفضيل ؛ فهو من القسم المجرد). فلم كانت «أخر» مجموعة ومؤنثة فى المثال السالف ـ وأشباهه ـ مع أن القاعدة تقتضى الإفراد والتذكير ، وأن يقال : أسراب «آخر» (التى أصلها : «أأخر» كما أسلفنا) (٢).
أجاب النحاة : إن كلمة : «أخر» ليست مما نحن فيه ؛ لأسباب ثلاثة مجتمعة :
أولها : أنها فى استعمالاتها الصحيحة المختلفة ـ ومنها المثال السالف وأشباهه ـ لا تدل على التفضيل ؛ (أى : لا تدل على المشاركة والزيادة) وإنما تدل على المغايرة المحضة ، والمخالفة المجردة من كل معنى زائد عليها ، فالكلام الذى تكون فيه يقتضى معنى المغايرة وحدها ، لا معنى المفاضلة ، أو نحوها. وهذا شأنها فى الاستعمالات الواردة ، فمعنى سرب آخر وأسراب أخر هو : سرب مغاير ، وأسراب مغايرات ، بدون تفضيل فيهما.
وثانيها : أنها ـ فى كلام العرب ـ لا يقع بعدها : «من» الجارة للمفضول ، لا لفظا ولا تقديرا.
وثالثها : أنها ـ فى كلامهم الفصيح تطابق وهى نكرة (٣)
__________________
(١) سبق الكلام عليه ، فى ص ٤٠١.
(٢) أى : أن الأصل أن يقال مثلا : هذا ظبى آخر (وأصلها : أأخر) وهذه ظبية آخر (أأخر) لكنهم تركوا الأصل ، وقالوا : ظبية أخرى ؛ فأتوا بكلمة : «أخرى» التى هى المفردة المؤنثة لكلمة : آخر.
والأصل أيضا أن يقال : هذان ظبيان آخر (وأصلها : أأخر ، وهاتان ظبيتان آخر) ولكنهم تركوا الأصل ، وقالوا : آخران ، فى تثنية المذكر ، وأخريان فى تثنية المؤنث.
وكذلك الأصل أن يقال : هؤلاء ظباء آخر (أأخر) وهؤلاء ظبيات آخر (أأخر).
لكنهم تركوا الأصل أيضا ، وقالوا : أخر ، التى هى جمع مؤنث ، مفرده : أخرى.
(٣) أى : أنها لو كانت للتفضيل وهى نكرة ، لوجب عدم مطابقتها ؛ كى تساير المسموع الكثير.
![النّحو الوافي [ ج ٣ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2662_alnahw-alwafi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
