(٣) وتعرب أيضا على حسب حاجة الجملة إذا قطعت عن الإضافة نهائيّا ؛ (بأن حذف المضاف إليه ، ولم ينو لفظه ولا معناه (١) ؛ فكأنه غير موجود من الأصل ، وهذا حين يستغنى عنه المعنى المطلوب ، ولا يتجه الغرض إلى ذكره ؛ (لأنه معلوم ، أو لسبب بلاغىّ آخر) ، نحو : من زرع الإساءة حصد الشقاء ليس غيرا. أى : ليس الحصد مغايرا (٢). وفى هذه الحالة تكون معربة ، منونة ، نكرة.
__________________
(١) لم ينو لفظه ولا معناه ، أى : لم يلاحظ وجوده مطلقا من هاتين الناحيتين. فحكمه كحكم الذى لم يوجد من الأصل.
(٢) إذا لم يلاحظ لفظا ولا معنى كان بمنزلة الذى لم يوجد من الأصل ـ كما سبق فى رقم (١) ـ. ويكون المراد من كلمة «غير» هو : المعنى الاشتقاقى العام ، أى : مجرد المغايرة المطلقة» التى لا تتجه إلى شىء معين ، ولا تقع على أمر محدد غير مختلط بغيره ، ولا مبهم ، وتكون «غير» فى هذه الحالة متضمنة معنى المشتق. يوضح هذا ما يأتى من الأمثلة التى لا بد منها لبيان ما فيه من دقة وخفاء.
ا ـ إذا قلت : (اقتصرت اليوم على أكل الفاكهة ، ليس غير الفاكهة) ـ كان النفى واقعا على غير الفاكهة ، أى : واقعا على كل شىء مغاير للفاكهة. فالفاكهة لا تدخل فى نطاق الأشياء المنفية ؛ فكأنك تقول : ليس المأكول شيئا مغايرا أو مخالفا الفاكهة ؛ فهى المأكولة وحدها.
ب ـ أما إذا قلت : اقتصرت اليوم على أكل الفاكهة ، ليس غير ، أو : ليس غيرا. بالتنوين فيهما ، مع حذف المضاف إليه ، واعتباره كأن لم يوجد من الأصل ، فيكون المراد من كلمة : «غير» المعنى الاشتقاقى العام الذى تتضمنه ، وهو : «المغاير والمخالف» ؛ فكأنك تقول : ليس المأكول مغايرا». هذا المغاير «عام مبهم ، يشمل المغاير للفاكهة ، والمغاير للأكل ، والمغاير لأصول الصحة ، والمغاير للزمن ... والمغاير للقدرة المالية ... فليس فى الجملة ما يقيد النص على مغايرة معينة محددة ؛ وإنما فيها عموم وإبهام يريدهما المتكلم لحكمة بلاغية يرمى إلى تحقيقها.
ح ـ يشابه ما سبق ويزيده وضوحا قولنا : حضر القطار قبل الميعاد ، وسافر بعد الميعاد ، بإضافة «قبل» و «بعد» إلى مضاف إليه مذكور ؛ فالقبلية والبعدية إنما هما بالنسبة للمضاف إليه ، فهما مقيدان به حتما ، وليسا بمطلقين ولا مبهمين لكن إذا قلنا : حضر القطار قبلا وبعدا بالتنوين والتنكير ، فإن الأمر يتغير ؛ فتزول تلك «النسبة الجزئية» أو «الفرعية» الناشئة من الإضافة ، ويرتفع القيد الذى يقيد المضاف ؛ فيصير عاما مبهما ، بعد أن كان خاصا مقيدا ؛ ويكون اسما متضمنا معنى المشتق ؛ فى أصفى الآراء ـ فمعنى قولنا «حضر القطار قبلا» ، هو : «حضر القطار متقدما» فهذا التقدم عام مبهم يشمل أن يكون متقدما على ميعاده. أو : على نظيره من القطر الأخرى ، أر : على مكان وقوفه ، أو ... أو ... وكذلك يكون معنى قولنا : «حضر القطار بعدا» هو «حضر القطار متأخرا». وهذا التأخر عام مبهم ؛ يشمل التأخر عن ميعاده ، أو عن نظيره ، أو : عن مكان وقوفه ... فالقبلية والبعدية إنما يراد بهما معناهما الاشتقاقى المجرد الذى يتضمنه الاسم. فالأمر فيهما وفى «غير» سواء من هذه ـ
![النّحو الوافي [ ج ٣ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2662_alnahw-alwafi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
