زيادة وتفصيل :
لا شك أن المذهب الثانى (١) نفيس كما سبق ؛ لأنه عملىّ وبعيد من الالتجاء إلى المجاز ، والتأويل ، ونحوهما من غير حاجة. فلا غرابة فى أن يؤدى الحرف الواحد عدة معان مختلفة. وكلها حقيقى (٢) ـ كما قلنا ـ ولا غرابة أيضا فى اشتراك عدد من الحروف فى تأدية معنى واحد. لأن هذا كثير فى اللغة ، ويسمى : المشترك اللفظى (٣).
وهناك سبب آخر يؤيد أصحاب المذهب الثانى هو أن الباحثين متفقون على أنّ المجاز إذا اشتهر معناه ، وشاع بين الناطقين به ، انتقل هذا المجاز إلى نوع جديد آخر يسمى : «الحقيقة العرفية» (ولها بحث مستفيض فى مكانها بين أبواب البلاغة) ومن أشهر أحكامها : أنها فى أصلها مجاز قائم على ركنين : علاقة بين المشبه والمشبه به ، وقرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلى. فإذا اشتهر المجاز وشاع استعماله تناسى الناس أصله ، واختفى ركناه ، واستغنى عنهما وعن اسمه ، ودخل فى عداد نوع جديد يخالفه ، يسمى : «الحقيقة العرفية» فلو سلّمنا أن حرف الجر لا يؤدى إلا معنى واحدا أصليّا. وأن ما زاد عليه ليس بأصلى ، لكان بعد اشتهاره وشيوعه فى المعنى الجديد داخلا فى الحقيقة العرفية. وهى ليست بمجاز فى صورتها الواقعة.
__________________
(١) وهو الكوفى.
(٢) سواء أكانت الحقيقة لغوية أم عرفية ـ كما سبق فى رقم ٢ من هامش ص ٤٩٨.
(٣) الحق أنه لا سبيل للحكم على معنى من معانى المشترك اللفظى بأنه «مجازى» أو أن فى عامله «تضمينا» ؛ لأن هذا يقتضينا أن نعرف المعنى الأصلى الذى وضع له اللفظ أولا ، واستعمل فيه ، ثم انتقل منه بعد ذلك إلى غيره من طريق المجاز أو التضمين ، أى : أنه لا بد من معرفة أقدم المعنيين فى الاستعمال ؛ ليكون هذا الأقدم هو الأصلى ؛ والمتأخر عنه هو الحادث مجازا أو تضمينا. وهذا أمر لم يتحقق حتى اليوم فى أكثر المعانى التى يؤديها كل حرف من حروف الجر ، وهى معان مرددة فى أفصح الكلام العربى ـ قرآنا وغير قرآن ـ ولا سبيل للحكم القاطع بأن معنى معينا منها أسبق فى الاستعمال من معنى آخر ، وإذا لا سبيل للحكم الوثيق بأن واحدا من تلك المعانى هو وحده الحقيقى ، وأن ما عداه هو المجازى أو التضمينى. بل إن هذا يلاحظ فى كل معنى مجازى آخر يجرى فى غير الحرف. ولا يقال إن المعنى الحسىّ أسبق ـ فى الغالب ـ وجودا من العقلى المحض ؛ لا يقال هذا لأنه لا يصدق على حالات متعددة. وفوق هذا أيضا يكاد يكون الحكم بالأسبقية مستحيلا إذا كان المدلولان عقليين معا (أى : غير حسيين).
وقد رأى أحد المستشرقين ضرورة وضع معجم خاص يوضح أقدمية الكلمات وتاريخ ميلادها ، وتجرد لهذه المهمة ، ولكن منيته عاجلته فى أول مراحل العمل.
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
