رابعها : امتناع العطف ووجوب النصب ـ فى الأصح ـ ، إمّا على المعية ، إن استقام المعنى عليها. وإما على غيرها إن لم يستقم ؛ (كنصب الكلمة مفعولا به لفعل محذوف) ؛ وذلك منعا لفساد لفظى أو معنوى. فمثال وجوب النصب على المعية لمانع لفظى يمنع العطف : نظرت لك وطائرا ؛ لأن الأصل ـ الغالب ـ فى العطف على الضمير المجرور أن يعاد حرف الجر مع المعطوف ؛ كما فى قول الشاعر :
|
فما لى وللأيّام ـ لا درّ درّها |
|
تشرّق بى طورا ، وطورا تغرّب |
فقد أعاد اللام مع المعطوف (١) ، ومثال النصب لمانع معنوى يمنع العطف : مشى المسافر والصحراء. بنصب كلمة : «الصحراء» على المعية ؛ إذ لو رفعت بالعطف على كلمة : «المسافر» لكان المعنى : مشت الصحراء. وهذا فاسد. ومثال النصب على غير المعية بتقدير فعل محذوف ينصب الكلمة مفعولا به : دعينا لحفل ساهر فأكلنا لحما ، وفاكهة ، وخضرا ، وماء عذبا ، وغناء ساحرا ـ فيجب نصب كلمة : «ماء» وكلمة : «غناء» بفعل محذوف يناسب كلا منهما. والتقدير : وشربنا ماء عذبا ، وسمعنا غناء ساحرا ... ولا يصح النصب على المعية ، ولا على العطف (٢) وإلا فسد المعنى. ومثله قول الشاعر:
|
تراه كأنّ الله يجدع أنفه |
|
وعينيه إن كان مولاه له وفر (٣) |
يريد : ويفقأ عينيه ؛ لأن الجدع ـ خاص بالأنف ، فلا يكون للعينين ... (٤)
__________________
(١) سيذكر هذا البيت لمناسبة أخرى فى باب العطف ج ٣ ـ م ١١٦.
(٢) لأن الماء لا يؤكل ، وكذا الغناء ، ولأن سماع الغناء فى الحفل الساهر يكون بعد الأكل ـ عادة ـ لا معه فى زمنه.
وعند تقدير فعل محذوف مناسب. تنشأ جملة فعلية تكون معطوفة بالواو على الجملة الفعلية الأولى ؛ فالعطف ـ على الأصح ـ عطف جمل. والممنوع عطف المفردات ، إذ لا يجوز عطف «ماء» ولا غناء على : لحما. لكن يصح عطف جملة : «شربنا» وجملة : «سمعنا» على الجملة الأولى ؛ وهى : «أكلنا». (وستجىء مناسبة أخرى لهذا فى ج ٣ باب العطف عند الكلام على العطف بالواو).
(٣) الوفر الزيادة. والبيت يذم حقودا بأنه يحزن لنعمة تبدو على جاره أو صاحبه ، ويتألم كمن جدع أنفه ، أو فقئت عيناه.
(٤) وإلى شطر من هذه الحالة يشير ابن مالك قائلا :
|
والنّصب ـ إن لم يجز العطف ـ يجب |
|
أو اعتقد إضمار عامل نصب |
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
