«أمّا» (١) بين الاسم والعاطف ؛ نحو : خرج زائر والقادم استقبلته ، فلو فصلت «أما» بينهما كان الاسم «المشتغل عنه» فى حكم الذى لم يسبقه شىء ؛ نحو : خرج زائر ، وأمّا المقيم فأكرمته.
فالأمثلة فى كل الصور السابقة وأشباهها ، يجوز فيها الأمران. النصب والرفع. وجمهرة النحاة تدخلها فى النوع الذى يجوز فيه الأمران قياسا ، والنصب أرجح (٢) عندهم. وحجتهم : أن الرفع يجعل الاسم السابق مبتدأ ، والجملة الطلبية بعده خبر ، ووقوع الطلبية خبرا ـ مع جوازه ـ قليل بالنسبة لغير الطلبية. أو يجعل الاسم السابق مبتدأ بعد همزة الاستفهام ونحوها ، ووقوع المبتدأ بعدها ـ مع جوازه ـ قليل أيضا ، لكثرة دخولها على الأفعال دون الأسماء. أو يجعل الجملة الاسمية بعده إذا كانت غير مفصولة بإما (٣) ، معطوفة على الجملة الفعلية قبله ؛ والعطف على جملتين مختلفتين فى الاسمية والفعلية قليل مع صحته.
__________________
(١) كان الفاصل المراد هنا ـ غالبا ـ هو : «أما» ؛ لأن ما بعدها مستأنف ، ومنقطع فى إعرابه قبلها : فلا أثر للفصل بغيرها (راجع لأمر الثالث ص ١٣٥).
(٢) وإلى الأمور التى مرت فى القسم الأول يشير ابن مالك ، ويبين أن المختار النصب فيقول :
|
واختبر نصب قبل فعل ذى طلب |
|
وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب ـ ٦ |
|
وبعد عاطف ـ بلا فصل على |
|
معمول فعل مستقرّ أوّلا ... ـ ٧ |
يريد : أن النصب والرفع جائزان فى أمور ، ولكن النصب هو المختار فيها ؛ وذلك حين يقع الاسم السابق قبل فعل دال على الطلب ، أو بعد شىء غلب إيلاؤه الفعل ، (أى : غلب أن يليه ويقع بعده الفعل ؛ كهمزة الاستفهام) ، وكذلك بعد عاطف يعطف الاسم السابق على معمول لفعل مذكور أول جملته بغير فصل بين العاطف والمعطوف. وصياغة البيت الثانى عاجزة عن تأدية المراد منه ؛ إذ المراد أن الاسم المشتغل عنه يجوز فيه الأمران ، والنصب أرجح إذا كان ذلك الاسم واقعا ـ مباشرة ـ بعد عاطف يعطف جملته على الجملة الفعلية قبله والتى استقر مكان الفعل فى أولها ، سواء أكان المعمول فى الجملة الفعلية التى قبله مرفوعا ؛ مثل : غاب حارس وحارسا أحضرته (فكلمة «حارس» الأولى فاعل وهو معمول للفعل : غاب) أم معمولا منصوبا ، نحو : صافحت رجلا ، وجنديا كلمته (فكلمة : «رجلا» مفعول ، وهو معمول للفعل : صافح) فنصب الاسم المشتغل عنه يقتضى أن يكون مفعولا لفعل محذوف يوضحه المذكور بعده. والجملة من الفعل المحذوف وفاعله معطوف على الجملة التى قبلها ، فالعطف عطف جملة فعلية على جملة فعلية ، وليس عطف مفردات. فلا معنى لقول ابن مالك إن العطف على معمول فعل مستقر فى أول جملته التى قبل العاطف. ذلك أن المعمول فى الجملة السابقة ليس معطوفا عليه ما أوضحنا. ولكن ضيق الوزن وضرورة الشعر أوقعاه فى التعبير القاصر. وقد تأوله النحاة بأن التقدير : وبعد عاطف ـ بلا فصل ـ على جملة معمول فعل مستقر أولا ... ومهما كان العذر فإن الخير فى اختيار الأسلوب الناصع الوافى الذى لا يحوى عيبا ، ولا يتطلب تأويلا أو تقديرا.
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
