أما أمثلة القسم الثالث فهى لنوع آخر يختلف فى دلالته عن النوعين السابقين ؛ يسمى : (علم الجنس) (١).
ولتوضيحه نقول ؛ إذا دخلت حديقة الحيوان فرأيت الأسد ، ومنظره الرائع المهيب ، وشاهدت ما يغطى عنقه ، وينسدل على كتفيه ؛ من شعر غزير ، كثيف ، يسمى : اللّبد ، وما ينبت فوق فمه من شعر طويل ؛ كأنه الشارب ؛ فسميت الأسد بعد ذلك : «صاحب اللّبد» أو «أبو الشوارب» ، فهذه التسمية تحمل الذهن عند إطلاقها وعند سماعها على تخيل صورة للأسد حتما ، وعلى تذكر مثال له ، من غير أن تكون تلك الصورة أو المثال مقصورة على الأسد الذى كان فى الحديقة ؛ بل تنطبق عليه وعلى غيره من أمثاله. فهذا الاسم الذى وضعته للصورة هو علم يدل عليها ؛ وعلى كل صورة مثلها من أفراد صنفها. أى : أنه شارة
__________________
ـ عالم الحس والواقع على مئات وآلاف من ذلك الحيوان المتوحش. فإذا تخيلنا صورة ذهنية لواحد من فصيلة : الأسد ـ مثلا ـ وقد رسم العقل تلك الصورة فى دائرته ، بحيث جعلها رمزا يدل على تلك الفصيلة ووضعنا للرمز علما خاصا به (أى : اسما مقصورا عليه) ليدل عليه ؛ وينطبق على كل فرد من أفراد تلك الفصيلة ، فإن هذا العلم يسمى : «علم الجنس». أى : علما يدل على ذلك الجنس ، ويرشد لكل فرد من أفراده. ومما يوضح هذا المعنى ويقربه إلى الفهم (وإن كان ليس علم جنس) ما نعرفه فى عصرنا الحالى من تمثال الجندى المجهول ؛ فإننا حين نسمع : «الجندى المجهول» يتجه عقلنا مباشرة إلى صورة ذلك الجندى ويستحضر الذهن تمثاله المعين الذى يرمز له ، وهو تمثال واحد ، ورمز مفرد. ولكنه ينطبق فى عالم الحس والواقع على الآلاف من الجنود القتلى المجهولين. ويجب أن نتنبه إلى أن ذلك الفرد القتيل غير معين وأنه شائع بين أفراد جنسه ؛ فهو فى المعنى كالنكرة. وفى هذا يقول بعض النحاة : إن علم الشخص واقع على الأشخاص ؛ كمحمد ، وعلى ، فالعلم فيه يخص شيئا بعينه ، لا يشاركه فيه غيره. وعلم الجنس يخص كل شخص من ذلك الجنس يقع عليه ذلك الاسم ؛ نحو : أسامة ، وثعالة ؛ فإن هذين الاسمين يقعان على كل ما يقال له : «أسد» و «ثعلب». وإنما كان العلم هنا للجنس ولم يكن كالأناسى لأن لكل واحد من الأناسى حالة مع غيره ؛ من بيع ، وشراء ، أو زراعة ، أو غير ذلك ؛ فاحتاج إلى اسم يخصه دون غيره ، ليكون الاسم دليلا على صاحبه ومميزا له من غيره .. وأما هذه السباع التى لا تثبت ولا تستقر بين الناس ـ فلا تحتاج إلى أسماء ، أو ألقاب لتميز أفراد الجنس الواحد بعضها من بعض. فإذا لحقها اسم ، أو لقب لم يكن ذلك خاصا بفرد دون آخر ، وإنما كان متجها لكل واحد من أشخاص ذلك الجنس ؛ فإذا قلت : أسامة أو ثعالة ... فكأنك قلت هذا الضرب ، أو هذا الجنس الذى رأيته أو سمعت به من السباع ... فهذه الألفاظ معارف ، إلا أن تعريفها أمر لفظى. وهى من جهة المعنى نكرات ؛ لشيوعها فى كل واحد من الجنس وعدم انحصارها فى شخص بعينه دون غيره. فكأن اللفظ موضوع لكل شخص من هذا الجنس ، فوضع اللفظ للفرد الشائع جملة بمنزلة العلم ، بالرغم من هذا الشيوع ... ومراعاة الواقع الصريح فى أن الفرد شائع غير معين جعله بمنزلة النكرة. ومن هنا كان لعلم الجنس اعتباران أحدهما لفظى يدخله فى عداد العلم (والعلم هو نوع من المعارف) والآخر معنوى يدخله فى عداد النكرة. ولكل منهما آثاره التى ستعرفها وسيجىء إيضاح آخر عند الكلام على القسم الثالث الذى فى رأس هذه الصفحة. (راجع المفصل ح ١ ص ٣٤ وما بعدها).
(١) تكلمنا عليه بإضافة ، وبمعالجة آخرى فى هامش الصفحة التى قبل هذه مباشرة.
![النّحو الوافي [ ج ١ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2576_alnahw-alwafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
