الحياة الدنيا الفانية في إقامة أريكة وسلطان ، لا يبالي الواحد منهم إن كان ضاحيا فيه لنار غضب الرّب ، ومؤججا شرارة نقمته ولعنته.
وشتان بين الهدفين والغايتين ... هدف كان الله تعالى في حياته ، وجهاده ، ونضاله ، وصموده الأمل والغاية ... وبين من اتخذ الله ذريعة ، ووسيلة في حياته ، وسلّما للوصول إلى دفة الملك والسلطان ، والسيطرة والتحكم على المجتمع ... فالخصمان اختصما في الله تعالى ، ولكن جعله واحد منهما غاية ونهاية ، والآخر اتخذه واسطة لغاية الملك ، مع اليقين والاعتقاد بأنّ الموازنة بين الغايتين أو الهدفين ، ما هي إلّا من أحداث التأريخ الظالمة ، ومكاره هذه الدنيا التي لا انتهاء في مكارهها.
وحسبك من ظلمات وظلامات الدنيا الحادة ، ما صنعتها في حق رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ، ولا كتمان فضائله ، فقد علم التأريخ أنّه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام ، في شرق الأرض وغربها ، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره ، والتحريض عليه ، ووضع المعايب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر ، وتوعدوا مادحيه ، بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكرا ، حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه فما زاده ذلك إلّا رفعة وسموّا ، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه ، وكلما كتم تضوّع نشره ، وكالشمس لا تستر بالراح ، وكضوء النّهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة.
رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كلّ طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها وسابق مضمارها ، ومجلّي حلبتها كلّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ وله اقتفى وعلى مثاله احتذى (١).
وهكذا كانت الحالة مع أنصاره وأعوانه ، ورجالاته وأصحابه ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أقام التأريخ ومصطنعوه لشرذمة لا شأن لهم ، ولا مبرة في الحياة
__________________
(١) شرح ابن أبي الحديد ١ / ١٦.
![أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والرّواة عنه [ ج ١ ] أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والرّواة عنه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2545_ashab-amir-almuminin-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
