الحديدية سلحفاة فلا غناء لها ، وتكاليف إخراج الصحيفة غير يسيرة ، وعلى الرغم من ذلك كله احتفظت الصحافة فى سوريا بمستواها ، واجتذبت إليها طائفة صالحة من صفوف الشبان المثقفين.
ولم أر أنشط ولا أشد من الصحفيين السوريين لعملهم ، فهم ينتشرون فى الأرض ، ويظهرون فى كل مكان ويستقون كل خبر.
ويحيطون بكل دقيق وجليل من الأمور ، ويقفون على كل خلية ، ولا تبدو عليهم مع ذلك عجلة ، حتى ليخيل إليك إذا تراهم أنهم لا يزاولون عملا وإنما يزجون فراغا.
وقد طفت بإدارات الصحف فى دمشق لا لأنه ما تقتضيه الزمالة ، بل لأن فيها إخوانى وأصدقائى ، فكان يدهشنى أن أرى المكاتب خالية ، ولا يكاد بعضهم يدخل حتى ينكفئ خارجا ،. فجعلت أتساءل فى سرى :
" أين إذن المحررون المخبرون والمترجمون؟ ومن ترى يتولى ترتيب المواد المختلفة ، والإشراف على الطبع وما إلى ذلك؟.
وقد تبينت بعد ذلك أن السر فى هذا" الفراغ" الذى تعجبت له هو أن الحركة دائمة ، والسرعة عظيمة ، فالجلوس إلى المكاتب قليل ، وكل امرئ يؤدى عمله ويدفع به إلى صاحب الجريدة أو الموكل بالإشراف ، أو إلى المطبعة ريثما يؤوب الغائب ، ثم ينطلق خارجا عسى أن يقع على جديد أو مفيد.
ولقلة الورق ، وضيق الصحف ، وصغرها اقتصرت على الجد ، وأغفلت ما يراد به التسلية وتركت ذلك للمجلات والصحف
