والقصر الجمهورى دار صغيرة فيها من السلطة أكثر مما فيها من الأبهة وعلى أبوابها وفى مداخلها حرس وشرط. ولكنك تحس وأنت داخل أن هؤلاء إنما يقفون لتحيتك والترحيب بك لا لحراسة أحد ، فكأنهم بعض ما تزان به المآدب الحفلات مبالغة فى التخفى ومن يحرسون؟! وممن يتحرزون! إن رئيس الجمهورية من الشعب والشعب منه ، وما كان راغبا فى هذا المنصب ولا طالبا أو ساعيا ، وإنما كانت رغبته وسعيه أن يكون الرئيس الأسبق" هاشم بك الأتاسى"(٣٧) على رأس الجمهورية ، ولكن هاشم بك أبى كل الإباء على أن هذا الأمر ليس له سوى شكرى بك ، ولو بقى الأمر لاختيار شكرى بك لما تولى شيئا لا من الرياسة ولا من الوزارة.
والواقع أن مناصب الحكم لا تعد شيئا فى سورية ، فليس عليها تنافس. ولا فى سبيلها أو من أجلها تثور الخصومة وتضطرم العداوة وتنشق الصفوف وتفترق الكلمة. وقد زرنا" حمص" فى أوبنا من رحلة الشمال ، وقصدنا إلى دار السيد" هاشم الأتاسى" الرئيس الأسبق لتحيته ، ثم تغذينا فى بستان البلدية فعرفت أتاسيا آخر هو آخو الأول ، تقلد منصب الوزارة مرة من قبل ، ولو شاء لتقلد رياستها الآن ، فإن منزلته وأسرته وثقافته وهمته تؤهله لما يحب ، ولكنه يشيح عن ذلك كله إشاحة المستخف ويؤثر أن يكون رئيس بلدية حمص.
وعلى هذا فقس ،
واستقبلنا فخامة الرئيس فى القاعة الكبرى ـ وإنما توصف بالكبرى للقياس إلى غيرها ـ كان ينتقل بين هذا الرهط العظيم المحشود ويقف مع كل فريق لحظات يتحدث ويلاطف ويجامل ثم قيل اهبطوا فهبطنا إلى الحديقة ـ وهى واسعة ـ حيث صفت
