الموائد فقعدنا حيث طاب لنا أن نقعد ، لكن الرئيس أبى إلا أن يحف به المصريون فأدنانا منه وجعلنا على جانبيه وأمامه ، فى غير كلفة ، واختص الأستاذ إسعاف بك النشاشيبى بتكريمه فألح عليه أن يكون أمامه ، ويجعل يقول إن إسعاف بك أستاذه ، وأنه قضى فى" القدس" عام كذا نحو عامين فكان يزور الأستاذ إسعاف كل ليله فى داره فيستفيد منه أدبا وعلما.
تواضع العلماء :
وخيل إلى ، وأنا أراعى الأستاذ إسعاف ، أنه يقول فى سره" يا أرض ابلعينى" من فرط الحياء ، فقد اضطرم وجهه فصار كالطماطم الناضج ، وراح رأسه يهتز يمنة ويسرة ، فضحكت فى سرى ـ أنا أيضا ـ إذا تذكرت واحدا من أصدقائنا القدماء ، عليهالسلام ، كان لا ينفك كلما تعجب أو أنكر شيئا يهز رأسه على النحو ، وكان المرحوم" السباعى"(٣٨) يشبه رأسه فى اهتزازه هذه برأس الأرنب المصنوع من" الجبس".
وأكبرت لفخامة السيد شكرى هذا التواضع ، وذلك الإقرار العلنى بفضل لا يلزمه شكره ، وأكبرت من إسعاف بك تطامنه واستحياءه ، على فضله وغزارة علمه فما فيمن لا يستحى خير.
ولكن الأستاذ إسعاف ذرب اللسان حاضر البديهة ، سريع الخاطر يتكلم فكأنه يقرأ فى كتاب فما لبث أن تغلب على حيائه فانطلق يسح سحا بوصف فضائل الرئيس ومزاياه والرئيس يستوقفه ويستغفر الله ، لكن من ذا يصد السيل المنهمر؟ وانقلب الوضع ، وانعكست الآية وصار الرئيس هو المطرق حياء ، وهو الذى
