العلم. فهو يتلخص في أن القرآن وان كان كلام الله تعالى فانه مخلوق وليس أزليا مثله. اذ ان ما القي في اذن الرسول صلىاللهعليهوسلم من كلام الله تعالى ، عند نزول الوحي عليه ، لم يكن هو صوت الخالق عزوجل ، بل انه كلام خلقه الله تعالى وظهر بارادته بصورة غير مباشرة ، وهو يتفق في وضعه وفحواه مع ارادته تعالى. وعلى هذا فانه من مخلوقات الله تعالى المادية مثل غيره من المخلوقات الاخرى ، وليس فكرته الأبدية التي هي جزء من حقيقته لا تنفصل عنه. وهذا يناقض رأي أهل السنة الذين يقولون ان كلام الله تعالى صفة أبدية ملازمة له لا بداية له ولا نهاية ، وهو في ذلك مثل الخالق نفسه. ولذا فان القرآن الذي هو كلام الله تعالى أوحاه الى رسوله الكريم لم يحدث في مجرى الزمن ، بل انه وجد منذ الأزل ، أي انه وجد بوجوده تعالى ، ولذا لا يمكن أن يكون مخلوقا.
على الرغم من بساطة الموضوع وعقم نتائجه ، فان اهتمام السلطة والرأي العام به مما يدل على التقدم الثقافي الذي وصل اليه المجتمع العربي في عهد الواثق بالله في سامرا. ومع ان المعتزلة اتيح لهم ان يستخدموا سلطة الخلافة في فرض آرائهم على الناس ، فانهم لم ينجحوا في النهاية ، لأن عددا غير قليل من العلماء والفقهاء ، اظهروا استقلالا فكريا وشجاعة أدبية في مناهضة هذه الآراء ، ولأن المحافظين من رجال الدين كان لهم نفوذ كبير على عامة الناس.
لقد قام الاعتزال أصلا على الاجتهاد والرأي ، وشأنه في ذلك شأن المذاهب الاسلامية الاخرى. فهي تختلف في عديد من القضايا الفقهية ، غير ان خلافاتها لم تتعد المساجلة والمناقشة وحشد الآيات القرآنية والاحاديث النبوية لتأييد وجهة نظرها. أما دعاة الاعتزال فقد أخذوا مخالفيهم بالشدة والعنف ، بل بالسجن والتعذيب والقتل أيضا. وانهم وسموا بالكفر كل من لم يقل بمقولتهم. وهذا مما يدعو الى الاستغراب ، اذ اوقع المعتزلة أنفسهم بتناقض واضح بين دعوتهم الى التمسك بالمبادىء العقلية والدفاع عن حرية الرأي ،
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ٢ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2440_samarra-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
