وممارستهم التعصب الأعمى باضطهاد مخالفيهم ، وعدم التسامح معهم. والواقع انهم اساءوا استخدام السلطة في فرض آرائهم على الآخرين ، مما كان له رد فعل واضح. فقد ناهض عدد من الفقهاء والعلماء هذه الدعوة رغم ما تعرضوا له من اضطهاد وتنكيل وصل ببعضهم الى السجن وبالبعض الآخر الى القتل.
كان أمر المحنة في أيام المعتصم بالله سهلا اذ لم يكن الناس يؤخذون بها شاءوا أم أبوا ، فلما استخلف الواثق بالله أمر أن يؤخذ الناس بها بالشدة (١). ويقال ان قاضي قضاته ابن ابي دواد قد استولى عليه وحمله على التشدد في المحنة (٢). وقد أمر القضاة في سائر الامصار ان لا يقبلوا شهادة من لم يقل بخلق القرآن (٣). فقد ورد في سنة ٢٣١ ه كتاب الواثق بالله على أمير البصرة بامتحان الأئمة والمؤدبين بخلق القرآن (٤). وجاء في كتاب الولاة والقضاة انه لما ورد كتاب الخليفة الواثق بالله على قاضي مصر محمد بن ابي الليث بامتحان الناس أجمع ، لم يبق فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلم حتى أخذ بالمحنة ، فهرب كثير من الناس ، وملئت السجون ممن انكر المحنة ، وأمر ابن ابي الليث بأن يكتب على المساجد : لا اله الا الله رب القرآن المخلوق. فكتب ذلك على المساجد بفسطاط مصر. ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المسجد وأمرهم ان لا يقربوه (٥).
ويبدو ان الناس في مصر أخذوا بصنف وألزموا القول بخلق القرآن بتأثير الجو الارهابي الذي أحدثه القاضي ابن ابي الليث. وقد أورد صاحب كتاب القضاة وكتاب الولاة أمثلة على ذلك. اذ
__________________
(٢) كتاب الولاة وكتاب القضاة / ٤٥١.
(٣) تأريخ بغداد ١٤ / ١٨ ، وتأريخ الخلفاء / ٣٤١.
(٤) مروج الذهب ٤ / ٣١٩.
(٥) شذرات الذهب ١ / ٤٠٨ ، والعبر ٢ / ٦٩.
(٦) كتاب الولاة وكتاب القضاة / ٤٥١.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ٢ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2440_samarra-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
