ما اذا كان مجلس التحقيق اغفلها مكتفيا بالتهم الدينية لوضوحها ، أم ان المؤرخين الذين سردوا تفاصيل المحاكمة اهملوا الاشارة اليها ، أم ان التهم الدينية وحدها كانت سبب غضب الخليفة على كبير قواده. ونرجح ان ما ذهبنا اليه آنفا من ان اهمال الجوانب السياسية والتأكيد على المخالفات الدينية مما اتهم به الافشين كان مقصودا المسبب الذي أشرنا اليه.
على اننا يجب ان لا نغفل ما صار اليه الافشين من مركز مرموق ، وما له من دالة على الخليفة المعتصم بالله ، بسبب الانتصارات المتتالية التي احرزها في حروبه. بحيث اخذ كبار رجال الدولة يرهبون جانبه ويخشون سطوته. وقد تسرب الحسد الى نفوسهم ، فعملوا على التخلص منه ، مستغلين بعض ما ظهرت منه من تصرفات يؤاخذ عليها ، فكان لهم ما اردوا. ولعل مما زاد في حقدهم عليه اعتداده بنفسه وتعاليه عليهم. وقد اورد الخطيب الاسكافي ما يؤيد هذا حيث يقول ما خلاصته ان الافشين بعد عودته مع أمير المؤمنين من حرب عمورية تقدمت حاله لديه لبلائه الحسن في حرب بابك وحرب الروم. فاخذ يستخف برجال الدولة ، لا سيما بالوزير محمد بن عبد الملك الزيات والقاضي أحمد بن ابي دواد ، فاعملا الفكر في كيفية التخلص منه. ولم يريا أبلغ من ايحاشه من الخليفة. فاستخدما لذلك محمد بن ابراهيم ، وكان صديقا حميما للافثين ووعداه بولاية فارس والاهواز اذا استطاع ان يوحش الافثين من المعتصم بالله. فادخل محمد في روع الافشين بما لفقه من الاخبار ان امير المؤمنين قد تغير عليه وانه يعمل على التخلص منه ، مما زرع بذور الشك وسوء الظن في نفس الافشين. وعند ما دخل الافشين بعد ذلك على المعتصم بالله وكان في حينه ضجرا ببعض أموره ، رآه متغير البشر عابس الوجه ، فصدق عنده ما اخبره به محمد بن ابراهيم ، فحاذر على نفسه وتحرز في بيته. ولما بلغ المعتصم بالله فعله انكره ، وكان ابن الزيات وابن ابي دواد لم يألوا
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ٢ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2440_samarra-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
