شعبين كبيرين لا يخلو من تأثير على التطور الداخلي لدى كل منهما. واذا كانت التجارة قد تأتي في المكان الاول من حيث انها عامل في التطور الثقافي للشعوب ، فان العلاقات السياسية أيضا قد خدمت الثقافة في كثير من الاحيان. اذ يتطاحن شعبان فيتبادل المنتصرون والمنهزمون الافكار والعادات والاخلاق واللغات والاداب (١).
لقد كان للروم ، كشعب عريق في حضارته ، عاداتهم وتقاليدهم يمارسونها في حياتهم الاعتيادية. كما ان لهم طريقتهم في أصول الحكم ، ولهم فنونهم الخاصة بهم. وانهم يحتفظون بتراث كبير من كتب اليونان في الطب والفلسفة والادب. وقد اقتبس العرب بعض ما تيسر لهم من ذلك عن طريق المعارك الحدودية التي أشرنا اليها. فان استيلاء الروم على أحد الثغور العربية وبقاؤهم فيه مدة حتى يجلبهم العرب عنه ، يترك بين سكانه شيئا من تأثيرهم ولا سيما في اللغة وأسلوب الحياة اليومية. وذلك بحكم اتصالهم المباشر بهم. وكذلك الامر عند ما يقع الاسرى العرب بأيدي الروم ، وكان عدد هم كبيرا نسبيا بسبب كثرة غزواتهم وهجماتهم على الثغور والحصون الرومية. أو عند ما يقع الاسرى الروم بأيدي الغزاة العرب ، وكانوا من الكثرة أحيانا بحيث ينادى على بيعهم خمسة خمسة وعشرة عشرة ، كما حصل في معركة عمورية. فيختلط هذا العدد الكبير منهم بأهل دار السلام. فكان هذا الاختلاط عاملا مهما في الاتصال الحضاري والثقافي بين الجانبين. اذ ان كل طرف يقتبس من الطرف الآخر بحكم معايشته قوما يختلفون عنه ، بعضا من عاداتهم وتقاليدهم وأسلوبهم في الحياة ، ويتعلم شيئا قليلا أو كثيرا من لغتهم. ولعل ظهور بعض الشعراء والادباء ممن كانوا من أصل رومي مثل ابن الرومي الشاعر ، وياقوت الحموي الرومي الأديب البلداني البارع ، دليل واضح على التأثير الذي أشرنا اليه.
__________________
(٤) العرب والروم / ١٨.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ٢ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2440_samarra-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
