واستفادوا منها كثيرا مما ساعدهم على تقدمهم الحضاري. ولا ينكر انهم تعرفوا عن طريق الحضارة الهيلينية التي كانت سائدة في البلاد المذكورة على آثار القدماء في ميدان العلوم والفنون (١).
وقد استهدف العرب في عهد الفتوح اجتياح بلاد الروم نفسها والاستيلاء على عاصمتهم القسطنطينية ، وقد اوشكت الامبراطورية البيزنطية ان تمحى من الوجود تماما على أيديهم ثلاث مرات بين سنتي ٤٨ و ٩٩ ه ، وكان الخطر العربي ماثلا على الدوام في ذهن كل بيزنطي (٢). وكانت آخر مرة استهدفت فيها العرب الاستيلاء على القسطنطينية في ٢٢٣ ه عند ما اجتاح المعتصم بالله بلاد الروم وافتتح عمورية ، الا ان مؤامرة قامت ضده حالت دون تحقيق ذلك.
وعلى الرغم من توقف موجة الفتح العربي في بلاد الروم على عهد الخلفاء العباسيين في سامرا ، فان الحروب ظلت مستمرة تقريبا بين الدولة العربية وامبراطورية الروم. الا انها كانت على شكل غزوات على أطراف الحدود بينهما ، وهدفها رد العدو ومنع اذاه ، أو ارهابه والحاق الاذى به والفوز بالغنائم. وقد اشرنا الى هذه الحروب في فصل سابق.
وكانت هذه الحروب ، كما رأينا ، متصلة بحيث لم تمر سنة من سنوات الخلافة العباسية في سامرا دون نشوب قتال بين الجانبين ، خلا فترات وجيزة من الهدوء كما اشرنا في صدر هذا الباب. وقد أدى استمرار الحروب الحدودية بين الدولتين الى أن تقوم كل منهما بتحصين ثغورها وشحنها بالمقاتلين المحترفين ، مما كان يستلزم حالة مستديمة من اليقظة والاستعداد لدفع عدوان المغيرين. على أن تواصل هذه المعارك بما يستتبع من علاقات غير مقصودة بين
__________________
(٢) الامبراطورية البيزنطية / ٣٦٦.
(٣) حضارة الاسلام / ٥١.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ٢ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2440_samarra-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
